Tuesday, February 24, 2015

مات الرجل الذي أحب





النصيحة التي يقدمها الأطباء و الأمهات لمَن تضع مولودًا هي ألا تصرخ من الألم ، كي لا تهدر طاقتهِّما... لم يزل الطريق طويلا أمامها قبل أن تخور قواها و يحين وقت الصراخ.

***
كانت الوجبات الثلاثة هي ما تجمعنا. نجلس و نأكل. و في هدوء نتحدَّث، و نتمتع بالصحبة ، و نتعاتب، و نصفي الحسابات القديمة. أحيانًا يكون الكوب فارغًا ، و أحيانًا يكون ممتلئًا بنسبة تسعون بالمائة. لكن مهما امتلأ الكوب الآن ، لا يوجد جانب مشرق من موت الرجل الذي أحب.

بعد أن مات الرجل الذي أحب، لم أبكِ ، و لم أنكسر... لا قوة. و لكن استسلام لفكرة أكبر من أن خلافاتنا الكثيرة كانت السبب في عدم سعادته معي، بل لأننا لم يكن مقدَّرًا لنا أن نكن معًا من البداية. مهما كنت أدفع بكل قوتي كي أُنُجح تلك العلاقة.

كم كانت لنا من اتفاقات. و علامات وضعناها على جانبي الطريق كي نتذكر ، و كي نحدد بها مسار رحلتنا معًا. كنا نضع العلامات على أوقات وصلت بنا الصراعات إلى ذروات الجنون...

قبل أن يموت بساعات أخبرني ، أنه ممتن لما كنت أفعله وقت أولى العلامات في طريقنا كي أتشبث به جيدًا ، و لأنني كنتُ أضخُ من روحي في هذه العلاقة كي لا تموت ، و اعترفَ لي أنه في ذلك الوقت لم يكن يبادلني نفس النية ، و أخبرني ليلتها أن كل ما تحمَّلته وقتها يعود إليه الآن و يملأه بالدفء. ثم ذهبت عينه في النوم في سكون.

نمتُ أنا أيضًا راضية عنا و بداخلي هذا الإحساس الذي قد يشعر به شخص يرغب بشدة في إنجاز شيئًا ... و تحدى نفسه حتى صار أقوى منها، و اجتهد حتى رضي عن نفسه مهما ستكون النتائج ... ثم ذات ليلة، تحقق الحلم.
كان شعورًا جيدًا. لكن ما شعرته في رحلتي بين التمني و التحقيق كان أكثر روعة و ذا ثِقَل و قيمة أكبر في قلبي.

 لكنني لم أقل له ذلك ... قلت لنفسي سأتركه ينام الآن ، و في الصباح سأبدأ الاستمتاع بهذا الحلم الذي تحقق. ثم استيقظتُ ، صليتُ الفجر... ثم إذا به يموت أمامي ... لحظة تلو الأخرى ... مات بالكامل في أربعين دقيقة.

حتى الآن ، بعد أكثر من تسعة أشهر من وفاته ، لازلتُ أرغب في أن أحكي حكايتنا ، لكن لا أرغب في سرد الأحداث. سأحكي فقط ما كان رغم تكراره ، لا يندهس بين تروس الروتين ، و لا تطوله نيران صراعاتنا.

وجبات الإفطار ... و هو. لم أجد شخصًا في حياتي تهمه وجبة الإفطار مثلي سواه.

أترك الخبز خارج الفريزر كي يزول تجمده على مهل بدفء حرارة المطبخ. أقطِّع الفلفل الأخضر مكعبات صغيرة. أخفق البيض مع القليل من اللبن الأبيض. أضع الطاسة التي أحبها على النار الهادئة ، ثم أضع بها مكعب الزبدة المتوسط ، أضيف الفلفل الأخضر و بعض الملح... 

قليلاً من الوقت يمر و أنا ثابتة مكاني ممسكة بمقبض الطاسة أفكر فيما سأرتديه ذلك اليوم. ثم أضيف مزيج البيض و أحرك الطاسة كي لا يلتصق القرص. قبل تمام النضج ، أرفع حرارة النار ، و أضيف حفنة كبيرة من الجبن الرومي الذي أبشره مسبقًا ، ثم أطوي قرص البيض على بعضه في شكل نصف دائرة. ثم أعيد الخطوات السابقة كلها مرة أخرى. نصف دائرة له ، و نصف دائرة لي... و لأنني أطعمه بيدي ، يكن من نصيبه ثلاثة أرباع الدائرة ، و ربع من نصيبي ، مع الكثير من الشبع بشبعه و الرضا برضاه...

أول مرة... كنتُ مربعة ذراعاي بجواره في السيارة ، و هو يحاول أن يشاكسني كي أخرج من صمتي و غضبي من شيء ما فعله... شيئًا متكررًا لا يهم الآن ، بعد القليل من الوقت و الكثير من المشاكسة ، حللتً ذراع من ذراعاي و علقتً قبضتي في الهواء بيننا - أعدُ على أصابعي و أسرد له كل المرات التي كرر فيها نفس فعلته تلك ... فردتُ إبهامي ، ثم سبابتي ، ثم وسطاي ... و في جزء من الثانية رمقتُ على المقعد الخلفي كيس الحرنكش الذي اشتريناه منذ ساعات و تبقى منه القليل. قطعتُ حديثي في منتصفه... "تاكل حرنكش؟" ، فطلب يدي للزواج للمرة الأولى. كان ذلك بعد تلاثة شهور منذ بدء علاقتنا.
.
.
وجبات الغذاء الأبسط كانت الأمتع له ... يوم ذهابه للتمرين يتوافق مع يوم تأخري في العمل، أُسرِع في الطريق إلى البيت ، أغير ملابسي سريعًا و أتذكر أن مطبخي قد ينقصه بعض الأشياء لإعداد وجبة مشبعة له... أقف في المطبخ دقيقة أراجع المعطيات ؛ البصل، الطماطم ، الكوسة ، الفلفل الرومي ، و الأرز الكافي ، و حلة في الثلاجة بها شوربة دجاج.

لا يحب صلصة الطماطم... بينما أحبها كثيرًا.

أسرع في غسل الخضروات و تقطيعها و تتبيلها بالملح و الفلفل و مزجها مع بعضها بيدي. أدفيء الشوربة على النار و أضيف منها على الخضروات حتى أغمرها و أتركها على نار هادئة ، و البقية أعد بها شوربة لسان العصفور. أجمل ما في صينية الكوسة هو أنها ليست سوى وقت أقضيه في تقطيع الخضروات ، و أنها تُعد سريعًا و بالكامل في إناء واحد.

أذهب للاستحمام و أخرج سعيدة برائحة الفلفل الأخضر في البيت ، مثله تمامًا. هي مفاجأة له في كل مرة. أنني بعد يوم العمل  الطويل، أطبخ.

ذات ليلة... كانت رائحة اليود تفوح من كل شيء ، و البحر كان دافئًا في ذلك الوقت من المساء. و نحن وحدنا على الشاطيء حين طلب يدي للزواج للمرة الثانية.

Liebe Ist Alles
 الحب يعني كل شيء.

كان يتحدث الألمانية (و الفرنسية بطبيعة حال كل خريجي مدراس الرهبان الكاثوليك) ، و يستمع للكثير من الأغنيات الألمانية... التي أصبحتُ أحب أن أسمعها و أغنيها دون أن أفهم ما تقول. و كان عندما تأتيه مكالمة من ألمانيا يترائي أمامي تجسيد لشخص هتلر. و كنتُ عندما أسأله عن صحة نسبه لأبيه من باب التأكُّد ، كان يتحدث قليلاً عنه ثم يخبرني أنني لي رائحة تشبه رائحته. ذلك بجانب كوني كنت أمًا له ... رغم فارق العمر الكبير بيننا.

في أحد الأيام كنتُ أقف أمام الحوض أدعك ياقات قمصانه بالفرشاة و الحمام معبق برائحة مسحوق الغسيل ، عندما ابتسمتُ للفكرة التي أنارت في رأسي - طوال عمري و كانت الندبات على أجساد الآخرين تستهويني ، و أستمع بإخلاص لتفاصيل الحكايات وراء كل ندبة. ليس غريبًا أبدًا أن أسقط في حب طبيب تجميل، يفهم الندبات جيدًا ، و يملك القليل منها. ندبته المفضلة لدي كانت تلك الموجودة على ركبته نتاج عملية أجراها و هو في العشرينيات من عمره ... أي منذ أكثر من عشرين عام.
.
.
على العشاء... أعد له البيض دون الصفار و دون الجبن الرومي، و بالكثير من الفلفل الأخضر. و سندويتشات الحلاوة الطحينية التي لم يكن مجنونًا بها مثلي ، لكنه اعتاد على كوني أبدأ بها قبل الإفطار و أكتفي بها على العشاء.

كانت علاقتنا منهِكة. و بالنسبة لي كانت تشبه قصة يأجوج و مأجوج ... كل يوم أقضيه أحاول اختراق حائط بيني و بينه ، و أنجح في ذلك بدرجة ما. و أنام تلك الليلة ، و أستيقظ في الصباح أجد الحائط قد عاد عاليًا و سميكًا كما كان. و ذلك جعلني غير قادرة على الاعتماد على وجود أي مدعى للرضا أو الاطمئنان أو السعادة بيننا... لأنني أعلم أنه على أي حال ، غدًا سأبدأ هذه العلاقة مرة أخرى من الصفر.

كنا نتحدَّث يومًا، عن أشياء عادية. و فجأة انفتح صندوق أسراره في وجهي... و أخبرني قصته مع زوجته السابقة. كل التفاصيل. و باح بشيء من ندمه على اختيارها ، لكنه راجع نفسه سريعًا و تذكر ابنتيه الجميلتان منها.

يومها أخبرته أن السبب الدائم الوحيد الذي يدعوني لأن أطمئن له هو أنه تشبَّث بحيازة ابنتيه في بيته لا في بيتها... قلت ذلك لأنني عندما أنظر لحالات الطلاق حولي أجد أن ما فعله نادر الحدوث من ناحية الأب. نظر لي و تقلَّب وجهه في حيرة - كمن كان منهمكًا في شيء ما ثم رفع رأسه و لاحظ فجأة أن الشمس قد غابت دون أن يدري -  و طلب الزواج للمرة الثالثة. ثم سألني باستغراب عن السبب الحقيقي وراء عدم رغبتي في عرقلة قدمه و امتلاكه بالكامل؟ سألته بنفس الاستغراب: ألم يحدث هذا بالفعل؟ ... صار بعدها يطلب الزواج كل يوم. 

***

في الحقيقة، لم يمت الرجل الذي أحب... لم يزل على قيد الحياة. لكن كشخص آخر  لا أعرفه...

 بعد ما اكتشفته ذات ليلة ، ذاب ذلك الشخص تمامًا ... كأنه لم يكن موجودًا... و أصبحَت الطريقة الوحيدة التي أستطيع بها استرجاع ذكرياتنا الجميلة دون أن يلوثها ما اكتشفته... هي أن أعتبره قد مات ، و أن هذا الشخص الجديد هو شخص آخر يشبهه شكلاً لكنني لم أعرفه من قبل.

اكتشفتُ أنه لم يكن في معدنه نفس الشخص الذي عرفته. لم يهجرني. لم يسافر و يتركني... بل ما حدث كان أنه ليلة ما أخبرني أن كل ما تحملته وقتها يعود إ ليه الآن و يملأه بالدفء ، و ذهبت عينه في النوم في سكون ، لم يصبح على قصتنا الصباح. لا يهم الحكي عما عرفته ذلك الفجر ... فما عرفته كان بمثابة حبة الفراولة فوق كأس الآيس كريم – أكثر ما يلفت الانتباه.

رأيتُ أن وجوده في حياتي بعد كل تلك السنوات يشبه تلك اللحظة التي تحدث لي كثيرًا في السوبر ماركت... أن أتحدث إلى صديقتي و أنا أنظر إلى شيئًا ما على الرفوف، ثم أنظر إليها و أكتشف أنها ليست بجواري ... و أنني كنتُ أتحدث إلى شخص آخر لا أعرفه. فأمشي بعيدًا عنه لا إراديًا.

لستُ غاضبة عليه... و عندما أحاول أن آخذ بإحساسي إلى المكان الصحيح... أجد أنني أفتعل الغضب على شخص غير موجود.

عندما أخلو إلى نفسي ، فأنا أخلو إليه. أجلس صامتة في حضرته. لا عتاب و لا بكاء. فقط القليل من الحسرة ، و بعض الإحساس بالوجع الذي كان موجودًا طوال السنوات الثلاث ، وبعض الرضا بهذا القُرب المألوف... و القليل من التفاصيل الصغيرة التي تهجم عليّ في أسوأ توقيت.

لم يكن رجلاً شريرًا. لكنه فقط بدأ معي كلعبة صغيرة. ثم بدأ يتعلق بها. و رأى اختلاف في رد فعله تجاه حماقتها... لا يتجاهلها كما كان ليفعل مع غيرها من اللعبات الصغيرات. و كان ذلك في حد ذاته يثير جنونه. و انتهى بها الأمر و هي تُخرج أسوأ ما فيه.

أنا صعبة المِراس. أعلم.

... كان يقول أنه يحب صوتي، لكنه لم يحب الطريقة التي أختار بها كلماتي ، كان يقول أنه يحب أنني أمارس الرياضة و أركب العجل ، لكنه لم يحب أن شعري لا يبدو في أحسن أحواله معظم الوقت ، كان يقول أنه يحب جسدي "القوي" - على حد وصفه ، لكنه لم يحب ملابسي ، و كان يرى أنني لستُ "شيك" بما يكفي. أنا لم أتخرج من أحدى كليات القمة ، و لم أتم دراستي في مدرسة الراهبات و قام أهلي بنقلي إلى مدرسة حكومية ، و لا أتحدث الفرنسية و لا الألمانية. لكنه كان يحب قدرتي على أن أُخرِج منه الكلام بسلاسة.

 ... لم أكن ملاكًا بريئًا.   

لم يكن رجلاً شريرًا ، لكنه وصل لمرحلة من العمر حققت له الأمان من خطر أن يسقط في الحب تلك السقطة التي تسبب الشقاء و السعادة معًا. و كان يعتبر ذلك من حُسن حظه. لكنه سقط في حبي و هو يتمنى لو كنتُ شخصًا آخر بنفس الروح و العقل ربما ، و بوجه آخر جميلاً يليق بوسامته كوجوه الفتايات الأخريات - يستطيع أن يتشرَف بها أمام أهله و أصدقائه. تعد نفس الطعام. تحبه نفس قدر الحب. ترغب في إسعاده مثلي.

 مكاني في قلبه كان لابد أن يكون من نصيب فتاة أخرى... تمنيتُ أن أشبهها. و جعله ذلك رافضًا لي كشخص. محبًا لي كقلب. معجبًا بي كعقل. ممتن لما أفعله من أجله. لكنه لم يخفيني سرًا. كان يرمي بمثل هذا الكلام في وجهي كحقيقة عليَّ أن أعترف بها - أن أرى أنه في حبه لي و وجوده بجانبي الكثير من التواضع المحمود و الكرم الحاتمي الذي يكمن بروحه.

لكن من وقت لآخر كان يهدأ و يسكن إليَّ. و كان ذلك يحدث دائمًا و أنا على وشك أن أيأس منه.

و أنا... أحببته. كنتُ سعيدة بشقائي معه. أحببته ذلك الحب الذي كنت أشعر بوخزته في قلبي و أنا مراهقة أشاهد مشاهد البكاء في أفلام الحب ، و أقرأ عن التضحيات في الروايات. كنت أفعل كل شيء ، و مستعدة أن أفعل أي شيء كي أسعده ، حتى على حساب تعاستي أنا. و هو كان يعلم ذلك. كان راضيًا به ، لكنه لم يكن سعيدًا. و أنا لم أراوغ نفسي. كنت أعلم ذلك جيدًا. و رغم أنني كنت أقول كثيرًا أن الأمر كان باختياري ... إلا أن الحقيقة هي أنني كنتُ مسيرة بقوة ما... و في نفس الوقت ، إن لم تكن موجودة ، فكنت سأختار أن أكمل نفس الطريق.

 لستُ ملاكًا. أعلم.

أعلم أيضًا أن التضحية في الحقيقة لا تشبه ما يحدث في الأفلام... أن أتلقى رصاصة بدلا منه أو أن أرمي بنفسي أمام السيارة التي كانت ستصدمه - كنت مستعدة على فعل ذلك دون تردد ، لكن كل ذلك لا يضاهي شقائي مع نفسي و أنا أحاول أن أجبرها على تقبل طباعه ، و لا يقارن بألمي و أنا أضمد جروحي من خبطاته لي ... و استخفافه بخبراتي ... و كونه كان يرى أنني ، كأنثى ، لا أخطف الأنفاس.

... هل حان وقت الصراخ من الألم؟

تعلمتُ أن قصص الحب الحقيقية تشبه البينج بونج ، لكن في هذه اللعبة عليَّ أن أضرب الكرة نحو الناحية التي تمكِّنه من تلقيها بأسهل ما يمكن. و في هذه اللعبة لا يوجد رابح أو خاسر ، علينا أن نحافظ على الكرة هكذا؛ طائرة في الهواء واصلة بيننا.
أحيانًا ، أثناء اللعبة كنتُ أشعر أنه يتواضع كي لا يرهقني ، لكن معظم الوقت كنتُ أرى أنه يختبرني ، و يصعب عليَّ الأمور كي يتأكد أنني لن أتخلى عن الكرة. كان يخبيء انبهاره أحيانًا ، و يخجل من نفسه أحيانًا أخرى عندما يرى أنني مستعدة لأن أسقط على وجهي كي لا أترك الكرة تسقط. لم أسمح للكرة بالسقوط ، ظلت الكرة طائرة بيننا في الهواء. أنا من كنتُ أسقط و أعاود النهوض ، و أحيانًا كنتُ أدور حول الطاولة و أضرب الكرة نيابة عنه...عندما كان يرغب في التفريط في كل شيء.

لم يكن رجلاَ شريرًا.

لن أضع نفسي حَكَمًا على ما حدث. فمن ناحيتي أنا، ما أنا متأكدة منه هو أنني عرفتُ ما هو الحب، و رأيتُ أنها معرفة قيِّمة تستحق أن أشقى هكذا عرفانًا بتلك اللدعة التي تعطي الرضا ، و تعطي القوة في مواجهة العالم... حتى بعد انتهاء القصة.
***

الآن ... بدأتُ أصدِّق أن هذه ستكون نهايتي كشخص يكتب. أصبحت كليشيهات الحب تستنفد صبري ، لذلك صرتُ أبسِّط الأمور أكثر مما ينبغي؛

لم يكن يريدني.

كان يريد شخصًا آخر.

لا داعي للصراخ من الألم بعد أن انتهى كل شيء.

شكرًا للقراءة. سندويتش حلاوة للعشاء. تصبحون على خير.

----

* فوتوغرافيا: أسامة حلمي (أوز أوز)

Saturday, July 12, 2014

مدينتان. واحدة أحبها، و الأخرى تحبني



ألعب في الاسكندرية لعبة كنت ألعبها وحدي مرارًا و تكرارًا و أنا طفلة في بيتنا - أقف بظهري ملاصقًا لحائط في أول البيت، و أندفع بكل سرعتي إلى أن أصل إلى الحائط الأخر على الطرف الآخر من بيت. و بعدما أصل، أعود بكل سرعتي إلى الحائط الأول... الأمر كله لا يأخذ أكثرمن ثوانٍ. و وقتها لم يكن لدي غرض من اللعبة إلا ربما أنا أعد خطواتي في كل مرة، أما الآن فأرى أنني كنتُ أحاول التأكد بنفسي من أنه لا مكان للهروب و لا طريقة للاختراق، هنالك فقط هذه المساحة. كل الحياة ستحدث بين حائط و آخر. و بالرغم من أن المساحة لا تعد واسعة، إلا أنها تسع الكثير من المرح و التجارب
***
الآن... يمكنني أن أسمِّي كل شيء باسمه الأصلي ، و أن أرى كل شيء بلونه الحقيقي. و أنا في مثل هذه الأوقات من الانتعاش – ابتسم برضا في المواصلات و سائرة بين الناس في الطرق. أطهو الطعام بالكثير من التأني، و أستحمُ بالكثير من الهدوء ... أظن أن الطريق يسير بي في الاتجاه الذي كنت أحلم به في أحلام يقظتي. لكن الحياة الحقيقية أروع و أكثر إدهاشًا من أي حلم يقظة

في حياتي مدينتين؛ واحدة أحبها، و الأخرى تحبني

المدينة التي أحبها، غارقة في الانطباعات المسبقة المأخوذة من الأفلام و الأغنيات و الأشعار، و رغم حبي لها، لم أكتب عنها كلمة واحدة حتى اليوم. و قد مللتُ من كليشيهات أي بلد أجمل من الأخرى و أي أناس أفضل و أي حياة أجمل ... القاهرة أم الإسكندرية

الاسكندرية هي المدينة التي أحبها. لكني لا أحب قراءة أعمال الغزل فيها و النوستالجيا الحالمة حولها. و لا أعتقد أنني يمكنني الكتابة عنها هكذا بنفس بساطة الآخرين الذين لم يعيشوا بها. ولا بنفس شغف هؤلاء الذين يعرفون المدينة جيدًا، و يتنقلون بين أحيائها الشعبية و الراقية و يقدرون على رؤية شخصية المدينة بحق كما لا أراها أنا. لكن ما يمكنني أن أقوله هو أن هذه المدينة كل شخص فيها يراها من زاويته

و من زاويتي أنا ... أرى أن الإسكندرية مدينة متعالية على من يعيشون فيها و ترى أنها تستحق من هم أفضل منا، و بطريقة أو بأخرى، أرى أن هذه المدينة قادرة على أن تستغنى عنا جميعًا، و أن تنفض نفسها و تقذف بنا جميعًا في مياة البحر

في هذه المدينة، رغم صغرها، إلا إنني لا أشعر بأنني محبوسة. بل أشعر و كأنني أقف على نقطة ارتكاز سِن البرجل على الورقة - في منتصف الدائرة، على مسافة متساوية من حيثما أردتُ الذهاب

 لم أزل ألعب لعبتي حتى الآن في تحركاتي في المدينة... أعطي ظهري للبحر، و أتوجه بمشاويري إلى أبعد ما يمكنني أن أذهب... الطريق الصحراوي، أو أن أتوغل فيما بعد شارع أبي قير و شريط الترام و شريط القطار و أعبر بنفسي إلى الناحية الخلفية من المدينة، إلى أن أصل إلى أماكن نبذتها المدينة. فأعطيها ظهري و أتوجه مرة أخرى إلى البحر، و في الطريق أحسب الدقائق، و لترات البنزين أو جنيهات المواصلات، و أذاكر الطرق جيدًا، و ألاحظ بسهولة كل لافتة إعلانات جديدة، كل إشارة مرور جديدة، و كل صندوق قمامة جديد، كل مطب جديد

أخذ الأمر مني الكثير من الوقت و التركيز قبل أن ألاحظ أنني حينما أكون عند أقصى درجات و سعادتي و استمتاعي بقضاء وقتي في الإسكندرية، أميل إلى العزلة، و أن أبعد الآخرين عن طريقي... أقود ببطء شديد. أو أسير بسرعة بالغة، أمارس الجري وحدي، لا أنظر لأحد، لكن أنظرحولي كثيرًا أتأمل الأماكن كأنني أراها لأول مرة. أستمعُ إلى موسيقى عالية، غير راغبة في سماع أي شيء، .غير راغبة في التفكير في أي شخص .. فقط أريد أن أنظرحولي و أن أتحرك

بينما القاهرة قرَّبت عقلي و قلبي من كل من أحبهم و أفتقدهم ... استحضرهم و اعيد في ذهني حوارات دارت بيني و بينهم، و تمر أحداث من حياتي أمام عيني تمامًا كما يحدث في الأفلام. القاهرة جعلت عقلي يشرد طويلاً و ينغمس و يتشبث أكثر فأكثر بالذكريات الجميلة

Indept - مدين ة

أنا مدينة للقاهرة بالكثير مما تعلمته عن نفسي ، و بالأكثر مما عرفه الآخرون عني -  تعلَّمتُ أنني أصلح للحياة الخشنة ، و جيدة في التأقلم مع الظروف المرهقِة . إلا إنني أيضاً لاحظتُ أنني لا أحتمل شكوى الآخرين ، و قليلة الصبر أمام دائمي الشكوى من الناس – من المواصلات و الزحام و الطقس و الوظائف و الأسعار ... و أرى في هؤلاء أعداءً لي ، يحاربون روحي و يثقلونني بالأحمال. و مع الوقت نمَّيت سلوك و تكنيك يستبعدهم و يتجاهلهم كي أحقق الحماية لروحي و مزاجي من كل هؤلاء. و القاهرة مدينة مليئة بالأعداء

لكنها كانت مرحة معي كما كنت رحبة الصدر و مهذبة و متمهلة معها - أحتمل مفاجآتها بهدوء و ابتسامة و كأنني أتعرَّف عليها ، و لم أبادر بإصدار الأحكام. تواضعتُ أمام المدينة التي يأتيها الآخرون من الإسكندرية و بمنتهى التعالي يبدون الشوق لنسيم البحر و يتململون من الزحام... دون إعطاء فرصة  لها لتـُبدي ما تقدر على منحه. و هي مدينة كريمة بحق. تواضعتُ أمام القاهرة ... لذلك لم تكن "قاهرة" معي . و لم تؤذني حتى بأقل الدرجات. و صرنا أصدقاء

 لا أدعي أمام الآخرين أو أمام نفسي أنني أعرفها جيدًا. لكن ما أعرفه عنها، أعرفه عن ظهر قلب؛

  أعرف أن الطرق إلى أي مكان إما أطول بكثير مما أعتقد ، أو أقصر بكثير من مبالغات سكانها. و طقسها إما أخف بقليل من مبالغات الجميع، أو أشد حرارة مما ظننتُ أنه بإمكاني أن أتحمُّله. خلاصة القول، كان عليَّ ألا أستمع لرأي أحد فيما يتعلق بالتحركات بها؛ فلا أحد من سكان هذه المدينة يحبها و يحب أن يتحرك بها، لم يعطيني أحد رأي أو طريقة موضوعية تسهل عليَّ حياتي بها. فلا أحد يعلم مثل هذه الأشياء هنا

 لكنني أحب العديد من الأشياء في القاهرة... أحب ذلك الشعور بالطمأنينة التي تنتابني عندما أرى الزحام في كل مكان، كل يوم... أرى في هذا التكرار اليومي شيء من الاستقرار، و تمكنتُ من الاعتياد عليه، و استغلاله لصالحي... أصبحت أؤجِّل كل المكالمات التي عليَّ أن أجريها إلى الوقت الذي يضيع في الزحام، أتفقَّد إيميلاتي و أقرأؤها و أرد عليها. و أستمع إلى كل الأغاني الجديدة التي أرغب في سماعها دفعة واحدة... بالإضافة إلى أنني أصبحتُ أُعِد السندويتشات كي أتناول إفطاري في الزحام. وجدتُ في كارثة الزحام المروري وقت يجمعني بنفسي كي أنجز فيه الأشياء التي أرى أنها تضيِّع وقتي

 أحب فكرة أنني يمكنني أن أترك شعري دون أي نوع من أنواع الربط ودون وضع أي نوع من أنواع المستحضرات، و سيظل على نفس الشكل و أحيانًا يتحسَّن. كأنني أسير تحت سيشوار كبير يجفف شعري كلما بدأت في التعرُّق

 أحب أنني بعد غسيل ملابسي، يمكنني أن أضعها على الحبل و بعد ساعة أو أقل أُطِل عليها و أجدها قد جفت. ليس هذا فقط، بل إن نقص حركة الهواء يجعل الملابس تـُرفع من على الحبل مكوية و دافئة و جاهزة للاستخدام مباشرة.

 و أحب أنني عندما أسير في الشوارع، تأتي إلى ذاكرتي تلك الثواني التي أفتح فيها الفرن فيلفح الهواء الساخن في وجهي، و أمدُ ذراعي في قلب الصهد بمنتهى التركيز كي أصل لقلب قالب الكيك، و أغزه بطرف السكين لأعلم إن كان قد نضج بالكامل أم لا.... هذه الثواني ممتدة طوال ساعات تنقلي في القاهرة

و أحب كشري التحرير. الموجود في شارع التحرير، و ليست الفروع الأخرى ذات اللافتات الخضراء، و الموجود منها في الإسكندرية. ولا أجد له بديل

كما أحب جدًا لافتات الإعلانات المدهشة بالغة الضخامة ... تفرض عليَّ أن أنظر و أمعن النظر في وجوه الممثلين و مقدمي برامج التوك شو - أفكر فيما يفكرون، و أخمن قصص المسلسلات قبل أن تبدأ

لكن أجمل ما في القاهرة ... هو أنها تضربني على رأسي بمطرقة من حديد، فعندما أعود إلى البيت و أستحم و أنام، أستيقظ لأجد نفسي قد نسيت تمامًا كل ما حدث لي. و أستيقظ كل يوم لأبدأ من جديد

في النهاية ... القاهرة تتطلب الكثير من الطاقة، و الوجود فيها بالنسبة لي يحتاج إلى دوافع قوية (كرغبتي في الدراسة)، لكن بانتهاء الدراسة انتهت طاقتي، و كادت القاهرة أن تقضي عليَّ في الأيام الأخيرة. لا حنينًا ولكن لكونها مدينة لا تشبهني في شيء... لا أرى الكثير من بائعي الخضروات الجائلين، ولا من ينادون على الروبابيكيا... حتى إنني غادرت من القاهرة قبل شهر رمضان بيوم واحد و لم أرى زينة رمضان مُعَلَّقة ... على الأقل في الأماكن التي كنت أتحرك بينها من وسط البلد، و الهرم، و السادس من أكتوبر، و مدينة نصر

عدتُ إلى الاسكندرية في الوقت المناسب كي ألتقط أنفاسي، و كي تستقبلني بهواء بارد، و بالكثير من الرطوبة التي جعلت شعري يدرك أصوله الإفريقية... و وقت وصولي إلى الكورنيش في طريقي إلى بيتي، ثقبت رائحة البحر أنفي، و صدَّقت كل ما يقوله القاهريون عن رائحة البحر. بلا رومانسية و بلا أوهام صنعتها الأفلام و الأشعار

وصلتُ بيتي، لأجد إضاءة الغرفة تمامًا كما أحبها، و أغراضي موضوعة على الحوض في الحمام... تأخرتُ قليلاً قبل أن أتذكر شكل فرشاة أسناني. أخطأتُ و مددتُ يدي إلى مكان آخر كي أشدُ السيفون. فاجأتني المياة التي تنزل باردة و منعشة من الصنبور في كل وقت. نظرتُ في الأطباق قليلاً كي أتذكرها قبل أن أضع لنفسي الطعام، تأملتُ الملاعق التي قد نسيتُ شكلها. وجدت يدي برطمانات الملح و التوابل سريعًا دون حاجة لقراءة ما هو مكتوب على البرطمان. سريري، دولابي، كتبي في مكانها، فيشة شاحن موبايلي في مكانها القريب من يدي

وضعتُ يدي بالضبط على ما أحبه في الإسكندرية... رغم الرطوبة صيفًا، و كآبة البرد و المطر شتاءً، و رغم الملابس المغسولة التي لا تجف، و إن جفت و نسيتها على الحبل ليلاً، استيقظ صباحًا لأجدها قد بللها الندا مرة أخرى. و رغم كارثة زحام المرور التي أرى أنها أفدح تلك التي في القاهرة. رغم أن المضايقات و المعاكسات التي تحدث لي في الإسكندرية أكثر من تلك التي تحدث لي في القاهرة... إلا أن الاسكندرية هي المدينة التي صنعتني، و جعلت مني الإنسانة التي أنا عليها الآن، و أنا أيضًا صنعتُ فيها و منها تاريخًا حافلاً من الذكريات و الخبرات التي لم أزل أحصد ثمارها حتى الآن

 أحب الإسكندرية لأن في كل مكان أمر به، هنالك ذكرى تجمعني بشخص ما، و هذا في حد ذاته يجعلني أُفـَضِّل أن أكون هنا ... بصرف النظر عن وجود أو غياب أصحابها. هنالك شيء أضفته أنا إلى هذا المكان، و أحب دائمًا أن أكون بالقرب من الأماكن التي أضفتُ إليها جزءً مني

 و الأمر لا يتعلق بهدوء المدينة، و بطء إيقاعها، ولا بسهولة التحرك فيها، ولا للأمر أي علاقة من قريب أو من بعيد بالبحر و لا بالكورنيش و لا بالنسيم العليل و لا برائحة الملح

---

* فوتوغرافيا: فادي قدسي
https://www.facebook.com/fadikoudsiphoto?fref=ts

Saturday, April 19, 2014

عُــمـَـر


سألوا فيرجينيا وولف ذات مرة عن السبب وراء موت أحد الشخصيات في معظم رواياتها؟ و ردت بأنه على أحدهم أن يموت كي يقدِّرالآخرون قيمة الحياة
ماتت فيرجينيا وولف ، و من بين كل الطرق التي كان من الممكن أن تختارها ... اختارت الغرق؛ ملأت جيوب معطفها بالصخور ، و قفزت في النهر

 لا مكان للشاعرية فيما أريد أن أقول. أجد في الجدية الكثير من الطمأنينة هذه الأيام
***
هنالك أيامًا تمرعليّّ أشعر بها و هي تغيرني و تغير مصيري

كان أول يوم من أسبوع سأقضيه مع مجموعة لا أعرفها جيدًا ولا يعرف أحدنا الآخر ، لكنني استطعتُ أن أشكـِّل فكرة عنهم كمجموعة ، و أقول أنني كنتُ أشعر أنني لم أكن وسط غرباء
  
في المجموعات الكبيرة التي لا أعرفها ، عادة ما أميل إلى عمل الأشياء بمفردي ، بخبرة قديمة لدي في أن الأشياء التي تسعدني  نادرًا ما تستهوي أحدهم؛ كنت أفكر في الذهاب إلى السوبر ماركت لشراء بعض الأغراض بطريقتي البطيئة في التبضُّع ، كنت سأتسلل في هدوء إلا أنني فكرت أن بعضهم قد يحتاج شيئـًا من هناك ، فعرضتُ اقتراحي ، و عرض البعض اقتراحات أخرى ... و رست الخطة على أننا سنذهب للسوبر ماركت ليلاً على أي حال ، و أننا سنذهب الآن إلى الشاطئ

في أي ظرف آخر ، كنتُ سأذهب إلى السوبر ماركت كما خططتُ ، ثم ، إن تبقى لدي وقت ، سأبحث عن الجميع و أعرف مكانهم و  أقرر حينها إن كنتُ سأذهب إليهم

التغيير الأول الذي غير مصيري ذلك اليوم هو أنني وجدتُ نفسي أميل إلى أن أغير خطتي و أذهب إلى الشاطئ
.
 .
أحب السباحة قدر حبي للقفز على الترامبولين أو ركوب المراجيح - حركات لطيفة ، تنفض عني الكسل و تـُشعـِرني بالخفة و السعادة لفترة ما ، لكن دون شغف حقيقي و مستمر. ليس قدر سعادتي بالجلوس على الشاطئ ، و العبث في الرمال بحثاً عن كنوزصغيرة ، لا قيمة لها إلا في كونها وجدت يدي في الرمال

التغيير الثاني ، هو أنني ، ذلك اليوم ، قررتُ السباحة
أفضل السباحة في البحر عن حمام السباحة، إلا إنني أحترم البحر ، و كانت لدي تجربة مع كيف يمكن أن أبالغ في ثقتي بنفسي ، و كيف يمكنني أن أستخف بقدرته على ابتلاع الأشياء و الأشخاص

الآن ، أنا في البحر الأحمر مع هؤلاء الأصدقاء الجدد ... المياة منعشة و نظيفة و ضحلة ... و الرمال ، لم تكن كالرمال التي أعرفها ، كانت عبارة عن حصوات صغيرة من الصخور ، خشنة و غير مريحة تحت القدم ، و تنزلق بسرعة من فوق بعضها. كانت نوع من أنواع الـ"بلبطة" اللطيفة ... التي أحببها. بعد دقائق قررنا أن نخرج من المياة و نجلس على الشاطئ نشرب الشاي ... الشاي الذي لن نشربه كلنا مع بعضنا البعض مرة أخرى أبدًا

سأل أحدهم عن "عمر" ... عمر كان أحد أفراد المجموعة ، و كان معنا ، لكنه غير موجود حولنا الآن ... و كوننا لا نعرف بعضنا جعلنا جميعاً نظن أن عمر موجود ، لكننا لا نلاحظه ... لعله يتحدث في الموبايل ولا يسمعنا ننادي ، لكن الموبايل موجود مع أغراضه. لعله عاد إلى الفندق كي يفعل شيئاً ما ، لكن شبشبه و الـ تي شيرت الذي كان يرتديه موجودين وسط أغراضه . لعله خرج من البحر و ذهب للتمشية ، لكن نظارة نظره كانت موجودة و هو لا يسير بدونها . انتهيتُ من اللبس ، و أنا أحاول ألا أفترض الأسوأ ، و أنه يمكنه أن يكون في أي مكان ، و كونه شخص هادئ يجعله ينسحب من الأماكن دون أن يلاحظه أحد . عمر خرج من المياة

فكرت أنه في أسوأ الأحوال ، لن يغرق أحد في مثل هذه المياة الضحلة ... من الممكن أن يجرفه التيار بعيدًا . وأنه الآن ينادي و يشير لنا كي نراه ، لكننا لا نرى جيداً لأن الشمس في أعيننا. ففكرتُ في اليوم الذي كدتُ أن أغرق فيه ، و وظـَّفتُ كل خبرتي في تلك اللحظات كي أتمكن من تخمين أين سينجرف عمر الآن

نظرتُ إلي المياة و أين تتجه ، و الهواء و أين يندفع ، و أجريت بعض الحسابات في عقلي ... إن كان عمر فقد السيطرة على نفسه ، فسيكون موجودًا في تلك المنطقة. و أنه حتماً سيظهر و يختفي من أمامي لأن البحر يعلو و يهبط قليلاً . أركز ، أظلل عيني ، أنصتُ بحرص شديد . أينما كنت يا عمر ، أنا أفكر الآن بعقلك ، و أعرف كيف تشعر ، و ما تحاول أن تفعل

نزل الغطاس يبحث عنه ، و أنا أفكر في أن كل ذلك مضيعة للوقت ، و أنه قد خرج من المياة على أي حال. و أفكر في كـَم الضحك الذي سنضحكه حين يظهر هو فجأة من ورائنا و يسألنا عمن نبحث !
 بعدها بخمسة عشر دقيقة ،  ظهرت رأس الغطاس ... خلع قناع الغطس بيد ، و كان ممسكاً بـ عمر من قدمه بيده الأخرى ، لونه أبيض تمامًا ... و كان مقلوبًا رأسًا على عقب تحت المياة . قفزتُ في المياة بفستاني ، و حملته من رجليه بينما حمله الغطاس من تحت ذراعيه

آلاف الأفكار في لحظات قليلة ... فكرت في كل المقالات التي قرأتها عن طرق الإنعاش القلبي الرئوي للغرقى و من أصابتهم سكتة قلبية ...  فكرتُ في أنه كان تحت الماء كل هذا الوقت الذي كنتُ أنظر أنا من فوقه ... فكرتُ فيما يقولونه عن العروق ، و أنه لطالما العروق موجودة و مرئية من على سطح الجلد ، فلازالت الدماء تجري بها . نظرت لى العروق في قدمه ؛ أستطيع أن أراها، ضغطتُ عليها استجابت ثم استعادت شكلها مرة أخرى ...

قام الغطاس بعمل الإسعافات له ، قلبه على ظهره و بدأ بالضغط على صدره بقوة  ، ضغطة ، و الثانية ، و الثالثة

فكرت في كل ما قرأته عن الغرق ، و أنه من أكثر طرق الموت سرعة و لا يشعر الغريق بأي ألم ، و لذلك كان الغرق هوة من أولى طرق الإعدام التي طبِّقت على النساء ... لأنها أكثر الطرق رحمة. و فكرت أنني سأخبر عمر بذلك بعد أن يفيق

بدأ الماء يخرج من فمه و أنفه ، أبشرتُ . و انتظرتُ المشهد الذي يشبه مشاهد الأفلام - أن يشهق عمر ، و يكح ، و ينظر حوله بدهشة... و الجميع يتنفس الصعداء ، و يحمد الله. لكن ذلك لم يحدث ، ظلت المياة تخرج من فمه و أنفه ، مياة تحمل معها رمال ، و قطع من القواقع المكسرة الصغيرة ، ثم بدأ لون المياهة يتغير ، و يميل إلى الإحمرار . ثم أصبح ماءً أحمر

حرك الغطاس رأسه بيأس ، بينما استمر في الضغط

كنت أدعو الله بصوت مسموع ، أقول أن الله قادرًا على أن يعيده ... حتى بعد أن شحب تمامًا ، و بعد خروج هذه الكمية من الدماء من رئتيه  و هذا الهمود الذي هو فيه ، و نظرة اليأس الظاهرة على وجه الغطاس ... من الممكن أن يكون مخطئاً ... الله قادر على أن يعيده ... من أجل أمه التي لا تعلم الخبر الذي سيصلها بعد قليل

وصلت الإسعاف ، و حملوه داخلها ، و نحن في السيارة التي خلفها ، أنا لم أفقد الأمل ، و لم أتوقف لحظة عن الدعاء ، لكن جزءً مني كان مصدومًا بسرعة الحدث ... و كل ما كنت أفكر فيه وقتها ، هو أنه لم تكن لديه الفرصة كي يعرف أن لحظته قد حانت ... و أنه ربما آخر أفكاره كانت في أن الأصدقاء حوله حتماً سينتشلونه حالاً من المياة و يسألونه عما جرى له ... و الفكرة جلبت الدموع إلى عيني ... أننا خذلنا شخصاً ما ، و أنه ميت الآن على طاولة في مستشفى ، بعيداً عن أهله و عمن يحبهم

***
عـُمـَر ... في اللغة العربية هو وصف يوصَف به الشخص طويل العمر

غرق عمر في هذا المسطح الضحل ... كان عمره عشرون عامًا أو أكثر قليلاً. فكرت في أن ما حدث لم يكن حادث ، ما حدث كان خطة مرسومة و مصممة مسبقًا من أجله كي يأتي إلى هنا  ... و قبل حتى أن ينجز ما جاء من أجله ، يموت . لم يكن لأي شيء أن يقف في طريق هذه الخطة ... و الفكرة جلبت الهدوء إلى قلبي

ما أعرفه جيدًا هو أنه في حياة كل منا مواضيع معلَّقة تنتظرنا كي ننظر فيها ، أو أن نحسمها ، أو أن نغيرها ... ما كنتُ أفكر به هو أن عمر لم تكن لديه الفرصة كي يحسم مواضيعه المعلَّقة

التغيير الثالث الذي غير مصيري ذلك اليوم هو أنني عدتُ إلى غرفتي ، أرتعش بفستاني المبلل ، التقطتُ موبايلي و أجريت مكالمة للرجل الذي أحب... أجريت المكالمة التي كان هو بانتظارها منذ شهور ... لم أخبره بما حدث ، لكنني حسمتُ مواضيعنا المعلَّقة و قلت له الخلاصة وراء كل ما نتصارع بسببه منذ بداية علاقتنا ... و كان مدهشًا كيف جعلني موت أحدهم قادرة على اختزال أكثر الأشياء تعقيدًا بيننا في جملة قصيرة و بسيطة حملت له السعادة. و جعلني قادرة على أن أزيح أثقالاً عن رأسه و رأسي ، و أن أقرر أن أنهي الصراعات ، و أن آتي من أقصر الطرق ، و أن أضرب بكل المشوشات عرض الحائط
.
.
على أحدهم أن يموت ، كي يقدِّر الآخرون قيمة الحياة

كان ذلك منذ شهور، لكنني تغيرتُ كثيرًا و لم أعد كما كنت. التغيير الأكبر الذي أراه هو أنه رغم كل ما قد يشعر به الإنسان من فزع و خوف من يشهد موت مفاجئ كهذا إلا إنني لم أشعر بالخوف من الموت... شعور صادق بداخلي أخبرني أنني مستعدة للرحيل ... إن حانت لحظتي الآن ، فأنا مستعدة في أي وقت. لكن يأكلني القلق على أهلي و أصدقائي و من يحبونني ، و على ما سيشعروا به بعد رحيلي. خفت عليهم لأنني لن أكون موجودة بجوارهم كي أساندهم. و غيرني ذلك و جعلني إلى حدٍ ما أقل حدة معهم ، و أقل قابلية للاستجابة للمشكلات
عندما أنظر إلى احساس الفقد الذي شعرتُ به بعد فقد عمر الذي أعرفه منذ ساعات ، و لم أتحدث معه سوى بضع الكلمات المقتضبة، جعلني قادرة على تصوُّر خسارة أكبر
 .

أنا أدعو لـ عمر بصفة دورية ، و أشكره على التغيير الذي تسبب فيه في شخصي، و على كونه أصبح جزءً هامًا من حياتي، و أتذكر أهله و من يحبونه من وقت لآخر ، و أتمنى أن يكونوا قد وجدوا طرقًا تهوِّن عليهم الفراق
.

هنالك أيامًا تمرعليّّ أشعر بها و هي تغيرني و تغير مصيري ، و تؤكد لي أن ما يقولونه عن أنه هنالك خبرات قصيرة قد تتسبب في أن تغير حياتك للأبد ... صحيحًا
 سمعتُ من صديقة لي فقدت زوجها أنها تشعر أنه أقرب لها بعد موته من حياته ، و كأنه بموته قرر أن يصبح معها يسكن عقلها و يستمع إليها طوال الوقت... و أنا وجدتُ في هذه الفكرة الكثير من الدفء ، و أحب أن أظن أنها حقيقية
***
فوتوغرافيا: سارة سويدان *

Tuesday, January 21, 2014

ليس كما يقولون في الأفلام



بالنسبة لي ، العمر لا ينقضي بسرعة كما يقولون في الأفلام ، أرى السنوات تأخذ وقتها ثم تمضي بلطف. عندما أنظر للوراء كي أتذكر نفسي و أنا طفلة ، و أنا مراهقة ، أرى أنني على مسافة عشرات و عشرات من السنوات التي تفوق عدد سنوات عمري بكثير ... لعل السر يمُكن في كوني أتذكر كل شيء حدث حولي.

أتذكر أول برطمان جيل اشترته لي أمي منذ سنوات تبدو لي و كأنها منذ أكثر من ثلاثون عاماً ... و كانت أول سنوات لظهور الجيل ، و لم ترغب أمي في أن تجعلني استخدمه خوفاً على شعري ، إلا إنها اشترته لي و في قلبها نية أن تتركني استخدمه على فترات متباعدة ... لكنني اعتقد أنها اشترته أيضاً كي تـُرضي فضولاً ما داخلها تجاه ذلك المنتج الرائج الملوَّن.

وكان برطماناً كبيراً بغطاء أسود ، و يظهر الجيل من خلاله أزرق صريح . أحببتُ رائحته ، لكن بعد تجربة و أخرى توقفت عن استخدامه ، و كنت أفتحُ البرطمان كي أشم رائحته من وقت لآخر ، و كنت أرفعه إلى عيني و أنظر من خلاله و في داخلي قناعة أنه هناك ثمة شيء ما عالق بداخله. شيء لا يتحرك. كنت أحرك البرطمان يميناً و يساراً ، أرفعه لأعلى و أنظر من أسفله. و كنت متأكدة أن ذلك الشيء سأراه فقط إن فرغ البرطمان...

و لأنني فقدتُ الاهتمام به مبكراً ، ظل ذلك البرطمان لدينا فترة مرت عليّ و كأنها أكثر من خمسة عشر سنة... خلال تلك الفترة كان يراودني حلم من وقت لآخر بأشكال مختلفة ؛  

كنت أحلم أنني قفزتُ من مكان ما ، و سقطتُ في شيء ما لزج القوام جميل الرائحة و لونه كلون البحر في المناطق العميقة ... أدرك فيما بعد أنني سقطتُ في برطمان الجيل ، و أن ذلك الشيء الذي كنتُ أراه عالقاً بداخله كان أنا. في بداية الحلم أسعد بذلك الاكتشاف نفس تلك السعادة التي تغمرني حين أحل أحد الألغاز ، و لكن بعد بعض الوقت تخفت السعادة ، و أبدأ ببطء في اكتشاف حقيقة ما و أنا أحلم ، أكتشفُ أن داخل كل برطمان جيل هنالك شخص عالق ، و أن الجميع سيسقط في برطمان جيل عاجلاً أم آجلاً ...سنعلق داخل ذلك القوام الهلامي الذي سيتركنا نتحرك حركة بسيطة ، و لكن من شدة ضيق الحركة ، سنشعر أننا تجمدنا و تجمدت الأشياء من حولنا ، لكننا لازلنا على قيد الحياة . في الحلم ، لا أشعر بأي خطر أو قلق على حياتي ، رغم أنني سقطتُ في الجيل حتى غمرتُ رأسي ، لكنني لا يراودني أي شعور بالغرق. 

رغم أنني في حلم لا أشعر بأي شيء ، إلا أنني كنتُ استيقظ منه في حالة فزع ، و أسترجع الحلم في ذهني مرة بعد مرة ... أبحث عن شيء ما - متى كانت اللحظة التي قررتُ فيها أن أستسلم؟ 

كان الفزع من كوني فاتتني لحظة الاستسلام دون أن ألاحظ أو أقاوم يفوق فزع تجمد حركتي نفسه!

و بعودتي للعالم الحقيقي ، أظل أتحرك بنفس الاكتشاف ، أنني سأستمر في الحياة كما أريد. و لكن بداخلي يقظة ما من أن أتوقف عن الحركة و أستسلم للأشياء التي تثقل حركتي و تثبتني في مكاني... و بداخلي قناعة أنها ستحدث عاجلاً أم آجلاً ...

أشعر أنني بعيدة كل البعد عن ذلك الشعور بأن الحياة تمضي و أنا ثابتة في مكاني ، أو أحاول اللحاق بها ... في حين أنني أرى كل مَن حولي و في مثل سني يشعرون بذلك . من وقت للآخر أخشى أن يكون هنالك شيئاً ما لا أعرفه عن الدنيا ، و يعرفه الجميع ... لكنني أمر بذهني سريعًا على كل ما يحدث حولي ، و أرى أنني لم يفتنِ أي شيء ... و أنه لعلهم هم من فاتتهم لحظة اليقظة قبل أن يستسلموا للأشياء التي أثقلت حركتهم و تبتتهم في أمكانهم داخل برطمانات جيل أخرى.

Friday, October 11, 2013

سـوء فـهـم


"احذر سوء الفهم ، فإنه أكثر خطورة من الجهل"
- جورج برنارد شو

أفضل لحظات في حياتي كانت لحظات اكتشاف أن ما كنت واثقة منه فيما مضي ، كان خطـًأ. كلها اكتشافات مجزأة على فترات طويلة. تغيرت وجهات نظري في الكثير من الأشياء و الأشخاص. و أشياء كثيرة عن نفسي كنتُ واثقة منها ... لكن مع مرور الوقت الكافي ، صارحتُ نفسي ببعض الحقائق ؛

كل ما كنت أقوله و أنا صغيرة عن أنني "لا أهتم لما يعتقده الآخرون فيَّ" ليس حقيقيًا.

في الحقيقة ، أصبحتُ أجده شيئـًا شيِّقاً أن أعرف ما يفكره البعض عني. و ما اكتشفته هو الشواهد التي تثبت أنني دائمًا - و ليس أغلب الوقت - يراني الآخرون على أنني شخص أخر. و يكون رد فعلي على ذلك بإحدى الطريقتين ، إما المبالغة فيما أفعله كي أشوِّش عليهم الرؤية أكثر و أكثر ، أو ... أن يجن جنوني. و ذلك يتوقف على مدى أهمية الشخص بالنسبة لي ؛ كلما كان قريبًا إلى قلبي ، كلما أُصبـِح أكثر غضبًا.
***
أعرَّفكم بنفسي ...
في الأيام المشمسة ، أمتنع عن الخروج نهارًا في حالة نفاذ الصن بلوك. و أذهب للجري وقت طلوع الشمس لمدة 45 دقيقة مرتان أسبوعيـًا...

أنا أعد إفطاري بنفسي ، لا أحب الطماطم بعد أن تسقط منها بذورها ، و لا أحب الكاكاو المضاف إليه ماء.أنا لا أمد يدي في أعمال المطبخ في حالة عدم وجود جوانتي المطبخ - تسبب أعمال المطبخ الجفاف ليدي ... و زوال لمعة طلاء الأظافر. أنا أدفع أكثر من مائتي جنيه لأشتري شريحة رقيقة أضعها كـفـَرش لحذائي. و أكثر من أربعمائة جنيه لأشتري حمالة رياضية لصدري. أنا أتحدث بالانجليزية أمام الخادمات في بيت جدتي ، و أصد كل محاولاتهن في المزاح معي و أصر على أن تناديني كل منهن بلقب ما قبل اسمي : آنسة ، أستاذة ، بشمهندسة...

أنا أقضي ساعات في المحلات مُمسِكة بقطع الملابس من التيكيت ... و أقرأ إرشادات الغسيل حتى آخر كلمة ، و أحرص على متابعة غسيل ملابسي بنفسي ، و نادرًا ما أشغـِّل الغسالة و بها قطعة غريبة عليّ وسط ملابسي ... فقد ينطلي لونها على الملابس. كما أنشر غسيلي بنفسي حرصًا على أن أضع المشابك على عمق معين كي لا تمس قطعة المعدن بالمشبك أي قطعة من ملابسي كي لا ينطلي عليها أي صدأ.

أنا أقضي ساعات هائمة على وجهي في السوبر ماركت ، و أقف طويلاً أحدِّق في الرفوف . أملك الكثير من الوقت لكل هذه الأشياء... لكنني لا أعرف عواصم المحافظات في مصر ، و قبل شهور قليلة كنت أظن حلايب و شلاتين تقع بالقرب من رشيد و إدفينا.

ماذا يمكنك أن تقول في مثل هؤلاء الفتايات ؟ كما يقولون عني ... أنا "معوُّوجة" ،و "لسة صـُغـَيـَّرة" ، و "مِـدَلـَّعـَة"

أعرفكم بفتاة تبدو مثل هؤلاء الفتيات ...
البعض ينامون ليلاً على صوت الموسيقى ، و آخرون على صوت تكات الساعة ، و أخرون على صوت التكييف ، أما هي فتنام على صوت قناة اليورو نيوز و تنام على إضاءة التلفزيون للغرفة. تستيقظ في الصباح تعلم كل أخبار العالم في مقتتفات مختزلة. لا تسعى خلف التفاصيل ، و لا تخوض في نقاشات حول أي خبر من الأخبار. و إضافة إلى ذلك ، ذاكرتها بها الكثير من الثقوب الواسعة التي تسقط منها أسماء الرؤساء و المسئولون و العواصم ... و أحيانًا تسقط الأخبار بالكامل. لكنها تعلم عن ظهر قلب كل النظريات التي تفسر انقراض الديناصورات ... تعلم نظريات تطابق و تشابه المثلثات ... تعلم القصة الغريبة وراء اختراع حلوى الكرواسون.

هذه الفتاة تسير وسط السوبر الماركت و هي تقبض على يدها خوفاً من أن تزيد المشتريات عن المال المتوفر ، تتفحص و تدقق في العروض التي يقدمها السوبر ماركت ؛ إثنان و واحدة مجاناً ، زجاجات الزيت الـ3 لتر بنفس ثمن شراء زجاجتين 1 لتر ...  تبحث وسط الأشياء عن سكين حاد صغير رخيص كي تقطع به الطماطم دون أن تتحول إلى عصير. و تقف أمام قسم الفوط الصحية تختار و تقارن بين كل الأنواع و العروض الجديدة ؛ اثنان بسعر واحدة  ... و تشتري كريم ليدها و جسمها ، و تشتري جوانتي مطبخ الأصفر من المقاس الصغير...و هي تعلم أن للأصفر عطر ليمون يعلق باليد ، بينما للأزرق رائحة توت تشبه لرائحة دواء السعال. تفتح كيس الجوانتي و تشم رائحته قبل الشراء... هذه الفتاة عندما كانت مراهقة كـَسر شاب قلبها ، وشعرت بأنه أهان أنوثتها عندما أخبرها أن يدها ليست بنعومة أيادي الفتايات الأخريات.

هذه الفتاة أول ما بدأت تركب مواصلات كانت بالصف الأول الثانوي ، كانت تركب تاكسي كي تذهب للدرس الخصوصي ، و كل مرة إما تحدث مشادة بينها و بين السائق حول الأجرة التي أخبرتها أمها ألا تزيد عنها ، أو يحدث و أن تركب مع سائق مريب - يقود السيارة و هو كاشف جزء من جسمه! الآن تركب المواصلات العامة ، أو تأخذ سيارتها الصغيرة أو تأخذ عجلتها الحمراء الجميلة أو تسير في كل مشاويرها ، لا تتذكر أنها يومًا ذهبت إلى مكان ما ، و نزلت من المواصلة/السيارة/العجلة و لم تمش. تقرر أن تسير دائمًا لأن في السير متعة ، و لأن السير يعطي بركة في الوقت ، و يبعدها عن قلق انتظار المواصلة ، أو توتر القيادة ، أو التعرق الشديد من ركوب العجلة. مع مرور السنوات و المشاوير عليها ، أصبحت قدمها تتألم و تطقطق مع الحركة ، فذهبت إلى دكتور متخصص في أمراض القدم و صناعة النعول الطبية المناسبة لإصابات و عيوب القدم... اشترت نعلاً من السليكون ، و عاودت عادتها القديمة في السير دون حساب للمسافات
"Distance is no problem" مع المشاوير التي تضع لها النعل ، و تضع لها السماعات في أذنها.

كانت تدخن. و رغم أنها كانت تحب التدخين إلا أنه كان يحرمها من الأوقات الطويلة التي تقضيها في ممارسة الرياضة بمفردها أو مع آخرين. كان حاجز بينها بين هذا النوع من اللهاث. و لم تكتئب عندما كانت تقلع عن التدخين بقدر اكتئابها عندما تبتعد عن الرياضة. الرياضة كانت المنقذ اللطيف لها من السجائر... دون عناء حقيقي ، تركت هذه و ذهبت لتلك. منذ الطفولة و هي تحب الرياضة و تنط على الحبل ، و تجري ، و تركب العجل ، و تمارس تمارين البطن و تمارين المرونة. تتمرن لساعات طويلة حتى تتلاحق أنفاسها و تشعر بقلبها ينبض في أطراف أصابعها. هكذا تشعر بالسعادة ...لكن من المؤلم للغاية أن تقفز كل هذا القفز دون حمالة صدر رياضية ذات جودة عالية و عمر طويل.

هي في النهاية فتاة تعمل ... و راتبها المتوسط لا يكفي كل هذا الترف ... فتتابع بحرص مواعيد التخفيضات و تقبض يدها بالشهور حتى يصل موسم التخفيضات ، و تتصطاد القطع واحدة تلو الأخرى. تقضي وقتـًا طويلاً في غرف القياس بالمحلات ، تأخذ قرارات الشراء ببطء و تردد شديد و بعد الكثير من التفكير و المفاضلة ... لأنه وقت التخفيضات ، البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل. لذلك فكل قطعة ترتديها ، قضت ساعات من العمر تقرر ما إن كانت ستشتريها.
ينشرح قلبها حين تقرأ على التيكيت داخل الملابس
Fine Egyptian Cotton.
تسعد باسم بلدها على تيكيت الملابس. و ترى أحيانـًا أن وطنيتها ستتلخص في شراء القطعة المصرية بدلاً من القطعة التركية ، و تفعل ذلك دون تردد . بكل وطنية تشتري القطعة ، و تنصرف بالكيس من المحل ، و موسيقى رأفت الهجان ترتفع في أذنها.

هذه الفتاة كانت لازالت في السنوات الأولى من الحياة المهنية ، و وقتها كانت تعمل و هي تدرس بالجامعة و لم تكن مجبرة على ذلك ماديًا على الإطلاق ، و في ذلك الوقت كانت تتعمد التبسـُّط مع مَن هم أقل منها في العمل ؛ عمال و عاملات النظافة ، و من يعدون الشاي و القهوة ... و مع الوقت رأت بالتجربة أن رفع الكلفة مع البسطاء جعلهم يتطاولون عليها ، إما بالتدخل في شئونها ، أو بالتبجح معها و رفع أصواتهم عليها عندما يطرأ ظرف تتوتر فيه الأمور ... و بعدما تقدمت بها السنوات أدركت الفرق بين وضع الحدود ، و بين التعالي على البسطاء من الناس ... فأصبحت تتركهم يأخدون عنها انطباع أنها جافة و متعالية ، و من ناحية أخرى أصبحت تعلم كيف تكرمهم و تحسن معاملتهم بطرق أخرى تجعلهم يفهمون بالضبط أين تريد أن تضعهم ، و كيف يكسبون ودَّها.

و هي متواجدة في التجمعات العائلية ، و تجمعات الأصدقاء الجدد و القدامى ، و رغم عملها الذي كان يهدر كل يومها كانت تتصرف و تخلق الفرص لنفسها كي تكون حاضرة. و هي تحب التجمع مع الأهل و الأصدقاء ، و تكون هذه هي الفرص الحقيقية لها كي تعرف كيف يراها المقربون منها ؟

و كل ما يعلمه الجميع عنها هو أنها لا تمد يدها في أعمال المطبخ إن لم تجد الجوانتي... "الدلوعة". و في حالة ركوب المواصلات لفترة طويلة ، تضع سماعاتها ، و "الرايقة" لا يظهر عليها أي تململ. و "الهبلة" اشترت نعلاً من السليكون يضاهي سعره سعر حذائها نفسه ، و تذهب للجري وقت طلوع الشمس مرتين أسبوعياً..."هية ناقصة خسسان؟"... تقطع الطماطم و الخيار و تضعهم على شكل أشعة شمس حول قرص البيض الأومليت ، و تعد كوب الكاكاو بأكمله من الحليب ..."بتعملي إيه؟ إيه دة؟"

و رغم أن هذا النوع من الانطباعات يعطي نوع من المرح في أوقات المرح ... إلا إنه يكون من مؤلم أن تكون هذه الانطباعات بمثابة حاجز حقيقي بيني و بين من يهمني أمرهم. يخذلونني عندما أرى بسمة على وجوههم و أنا أقول رأيي في أمرِ ما ... "إنتِ مع نفسك إنتِ ...مش ف الدنيا."

***
"أحيانـًا ، يكن في مصلحتك أن يظنك الناس مجنونـًا"
- ذالونيوس مونك

في الحقيقة ، أصبحتُ أراه شيئـًا شيِّقاً أن أعرف ما يفكره البعض عني. و ما اكتشفته هو الشواهد التي تثبت أنني دائمًا - و ليس أغلب الوقت - يراني الآخرون على أنني شخص أخر. لكن حين أفكر بيني و بين النفسي في الأمر ، و مهما كان يهمني أن يرى المقربون مني مدى جديتي و إرهاقي (و سعادتي) في حياتي ... ففي نفس الوقت أرى أن شدة التعب و الضغط في العمل لا يبرر الآداء الكسول في الحياة. و الزيادة في التعقـُّل و النضوج ليس حـُجـَّة لنقص التأنـُّق و الاهتمام بالمظهر ... و أن من لا يسعى وراء الاستمتاع ، لو قضى عمره دون مسئوليات ، سيظل مرهقـًا كسولاً عجوزًا.

و من ناحية أخرى ، أرى أن كون بعض ما أفعله يعد غريبًا على مَن حولي لا يعني أنني قررتُ أن أخوض حروبًا ضد الجميع. و كل هذا لا يمنع كوني أهتم لكيف يراني الجميع.

أرى أن حتى المقربون مهما كانوا يعلمون الحقيقة الخشنة وراء كل ما أفعله في حياتي ، إلا أن مرحي يخفي عنهم مدى جديتي. و سعادتي و استمراري في كل ما أفعله يشعرهم بأنني لا أنضج و لا أتقدم خطوة واحدة إلى الأمام ، بينما هم من يعرفون الحياة الحقيقية ، و المسؤوليات الحقيقية ، و الهموم الحقيقية التي تستحق الاهتمام. و أنا أمامهم طفلة هائمة شاردة تطارد الفراشات حتى ستضلَّ طريقها.

***
و بالنسبة لعواصم محافظات مصر...
فالمنصورة عاصمة الدقهلية
و دمنهورعاصمة البحيرة
و طنطا عاصمة الغربية
و الزقازيق عاصمة الشرقية
و الغردقة عاصمة البحر الأحمر
و العريش عاصمة شمال سيناء
و الطور عاصمة جنوب سيناء

لكنني للأسف لا أعرفهم عن ظهر قلب.

... أما بالنسبة للقصة الغريبة حول اختراع حلوى الكرواسون ، فقد قام بخبزها الخبازون النمساويون كنوع من أنواع الاحتفال بعد أن قام جيشهم بهزيمة الجيش العثماني أثناء محاولته لفتح فيينا ، و استخدموا الشكل الهلالي لأنه الرمز الإسلامي الذي كان موجودًا على العلم العثماني وقتها. و ظلت حلوى الكرواسون ممنوعة من دخول الدول الإسلامية لسنوات طويلة بعد ذلك.

... و كل هذا لا يمنع أنني أحب الكرواسون.

Tuesday, July 23, 2013

لـن أذهـب للـسـوبـر مـاركـت



عندما خلت إليَّ شياطيني بالأمس قالوا لي أنهم لا يشعرون بأي "سـَلسـَلة" ، ألسنا في الشهر الذي تسلسل فيه الشياطين ؟!

رمضان هو الشهر يخلو من الشياطين كما نعلم ، و ما يتبقى داخل كل واحد منا ليس سوى شيطان نفسه. الذي قد يكون له التأثير الأقوى علينا. لكن ، مالي لا أشعر بأي فرق؟

رأيتُ أنني لست شخصًا شيقـًا بالنسبة للشياطين الحقيقيين ، و أن الإغراءات التي يسيطر بها الشيطان على الآخرين لا تشكِّل إغراءات بالنسبة لي ... أو على الأقل لم يعد الأمر كذلك معي ، منذ السنوات الخمس الماضية مثلاً.
بداخلي أحساس بالأمان لأن كل الوسوسة التي تدور في عقلي هي من فعل رغباتي أنا ، و أسعد بأنني - بعقلي الواعي - لا أرى أي اختلاف يطرأ على شخصيتي في رمضان ... لكن عندما أخلو إلى نفسي ، أضحك من هذا الكم من السذاجات ... "حتى نفسي الأمارة بالسوء ، طلعت هبلة"

"لن أقشـِّر الخيار لعمل السلطة " ، "لن أسخن الخبز ، سأتركه يسخن بفعل حرارة المطبخ" ، "لن أذهب للسوبر ماركت ، سأجعل صبي السوبر ماركت هو من يأتي" ، "لن أذهب للجري اليوم ... سأكتفي بنط الحبل" ، "لن أرفع غطاء الحلة كي لا يغريني البخار"

أرى مع مرور السنوات أن أمر الشر ، و الشيطان ، و الأخطاء ... هو أمر مبالغ فيه. كما أرى أنه لا يتعلق بأي نوع من أنواع تحصين الإنسان لنفسه ضدهم؛ الأمر ليس سوى اختيار محض ، بالإضافة إلى الكثير من الحظ  الذي يجعل كل منا على فِطرة ما ؛ و فطرتي هي ما أفعله من تلقاء نفسي  و عقلي منشغل بأمر آخر. و هو ما أعود دائماً إليه في النهاية ، مهما علقت بي من شوائب بعد طول الجري في الحياة ... ماذا ستفعل أنت لو كنت تتحدث مع شخص ما ، و طارت بينك و بينه واحدة من تلك الفراشات الرمادية ... هل ستقتلها ؟ أم ستلف قبضة يدك عليها بحيث تستطيع التنفس حتى تخرج يدك من الشباك و تحررها؟

Wednesday, February 13, 2013

صعبة المـِراس



قالت لي أنها تسير في الحياة الآن معصوبة العينين لكنها ترى الظلام في عينها مقسماً إلى مساحات مظللة ... تماماً كذلك الظلام الذي تراه في عينك عندما تطفيء نور غرفتك بعد أن ترمق الطريق الذي ستسلكه في الظلام نحو السرير .  قالت أنها ترى أين ستضع قدمها و أن كل هذه  الإضاءة تسبب لها المزيد من تشتت الانتباه

"أسير الآن في اتجاه ما لطالما حلمتُ به" ، قالت ، "و أخشى على نفسي من الإحباط " ... و تحيط نفسها طوال الوقت بالأشياء التي تضمن أنها لن تخذلها


"تعلمين أنني أحب الاستماع إلى الأغنيات الفرنسية و أنا لا أفهمها لأنني أحب أن أتخيل ما تعنيه الكلمات ، و أسرح بخيالي ورائها و أجدها ملائمة تماماً لما أتمنى أن تقوله اغنية . و أجد في الأغنيات الفرنسية الكثير من الإرضاء . لذلك لا أحاول كثيراً أن أفهم ما تقوله. لكن أتعلمين ما هو الشيء الوحيد الأكثر إرضاءً لي من ذلك ؟" سألـَت 

ثم أكملـَت : "أن أعرف ما تقوله ، و أجد الأغنيات تقول ما هو أجمل مما كنتُ أتخيله"
 
فردتُ وجهي في ابتسامة واسعة. جلبت هذه الفكرة النور إلى قلبي. أسعد بتلك الأفكار التي تصدر منها من حين لآخر . سعدتُ بتحسن أحوالها ... فقد قالت أنها في يوم من الأيام لاحظت فجأة أنها كانت تنام بدون بكرة مناديل بجوار وسادتها ... و كانت نقطة تحوُّل من وجهة نظري . و اطمئن قلبي عليها - على الأقل تنام دون أن تبكي .

لكنني لم أُثـَبـِّت توقعاتي على أن تظل في حالة التحسن هذه ... فأنا أرى الرجل التي تحبه يتربص بها و يحوم حولها ، حتى بعد أن انتهى أمرهما معاً . أرى أنه ، إن حدث و أصابت عقله بعض الحكمة ، سينجح في جذبها من جديد . و سيبدو الأمر و كأنه أفضل ما يمكن أن يحدث .

... بينما هي تقول أن أفضل ما في العودة إلى قصة حب سابقة ، هو ثقتـِك في أن هذا الرجل سينجح ... الآن أم لاحقاً ... في أن يخذلك بنفس الطرق القديمة

 و تلك الفكرة في حد ذاتها تسبب الاطمئنان - تماماً كأن تغلق عينك و أنت تعلم من أي ناحية ستأتيك اللكمة. هكذا قالت بعد أن عادت له عدة مرات

أظن  أنها ستتمكن من تجنب الكثير من مشكلات حياتها فقط إن توقفت عن أن تتوقع كل هذه التوقعات من الآخرين و من الحياة . و إن توقفت عن وضع سيناريوهات للأشياء التي قد تحدث ، و أنها إن حدثت فعليها أن تحدث بطريقة محددة تم الاستعداد لها مسبقاً

أظن أنها يمكنها أن تكون أسعد ، إن هدأت قليلاً

فقالت بضيق  : 

"أنا صعبة المِراس ! ماذا يمكنني أن أقول ؟!"


***
 
اقتحمتُ شيئاً جديداً و تعلمته الليلة ؛ و هو أنني أكتبُ جيداً عن نفسي باستخدام ضمير الغائب ... يمنحني هذا الضمير درعاً أمام كل كلماتي اللاذعة ، و كل ما لا أحب أن أسمعه عن نفسي

و رغم أنني أعلم أنني كنتُ اتحدث عن نفسي ، لكن ضمير الغائب يضع احتمالاً أمامي أن كل هذه الكلمات قد لا تكون تقصدني أنا بالضرورة ، و أنها قد تنطبق جيداً على شخص آخر أيضاً .

الأمر أشبه بتلك المرات التي تطفيء فيها النور بعد الانتهاء من الاستعداد لسهرة عليك التأنـُّق من أجلها ... و بعد أن تطفئ النور ، تقف لحظة في الظلام ثم تضيء النور مرة أخرى ، و كأنك تطمئن أن شكلك لم يتغير . و أنك أنت كما أنت . لكنك فقط تخشى أن تفقد نفسك في الظلام و تصبح شخصاً آخر لا يشبهك