Sunday, March 19, 2017

باستيليا


أتذكرُ وأنا طفلة أن أمي هي من علمتني كيف يمكنني أن استمع الموسيقى... يمكن لأي منا أن يستمع إلى لموسيقى ويتذوقها، ولكن أمي علمتني كيفية تقسيم أي مقطوعة موسيقية إلى شرائح طولية... هنالك موسيقى في المقدمة ويمكن لأي أذن أن تسمعها تدندن معها، لكن كلما رجعت بأذني خطوة للوراء، وأتيت بالألحان التي تدور في الخلفية، كلما ازادت مهارتي في فهم كيف تم بناء هذه المقطوعة على أساس من إيقاع وبايز جيتار.
... ومنذها وأنا هكذا... أترك الأغنية بأكملها تتصاعد إلى أعاليها وتتغير مقطوعاتها، وأبحث أنا عن البايز جيتار، وأتابع ما يقول.
...
مررتُ بمشكلة تسببت في أن أفقد صوتي لمدة خمسة أيام.

هناك دراسات تقول أن الإنسان الأول اكتشف صوته برَدة فعله اللاإرادية تجاه الفزع... والسعادة. وبدأ البشر في التواصل مع بعضهما البعض عن طريق تقليد أصوات الحيوانات والشلالات وصفير الرياح لتحذير بعضهم البعض... هذا وفق لنظرية تدعى بنظرية الباو-واو*،وهي تصف المرحلة التي مر بها الإنسان الأول في التعبير والتواصل مع باقي فصيلته من البشر قبل الوصول الحضارة لمرحلة تطوير اللغات.

أعمل مترجمة فورية يستعين الناس بي للنقاش مع المحامين بشأن قضايا الطلاق، أوللحديث مع الأطباء النفسيين لشرح أزماتهم مع الآخرين ومع أنفسهم. عليَّ أن أراعي أن يسير إيقاعي بنفس إيقاع الطرفين، وأن يعكس صوتي كل المشاعر التي تصلني من الطرفين، في نفس الوقت عليَّ أن أحافظ على مكاني بين متحدث كل لغة كطرف ثالث.

 وأظل هكذا... أتحدث وأرد على نفسي، أسأل نفسي بتردد، وأرد على نفسي بحسم وصرامة ... أبوح بعدم الفهم، وأعود وأُفَهِّم نفسي بصبر وسِعَة صدر ... أهددني من أن أحرمني من حضانة ابنتي، وأتراجع خائفة من أن أحرمني من حضانة ابنتي. كشبكة ملعب التنس- أمرر كل شيء من فوقي بلا تدخل، وإذا قام أحدهما بتوجيه الحديث لي فإن هذا يؤير سلبًا على سلاسة تواصله مع الطرف الآخر.

عليهم فقط أن يقولوا ما يقصدون، وأنا أتحدث بأصواتهم.

أفتح فمي، آخذ نفس، أبدأ في الحديث. يصدر مني فحيح ... تنحنحتُ وجربتُ مرة أخرى. فحيحًا... حاولت الصراخ خرج فحيحًا مؤلمًا. يتبعه أن أبصق دمًا في منديلي... لم تنفع المشروبات الساخنة، ولا عسل النحل، ولا حبوب الاستحلاب، ولا حبات الباستيليا التي أعطتها لي أمي وضاعت بين حقائبي ثم وجدتها يومها... كان علي أن اصمت لمدة خمسة أيام إذا أردتُ أن أسمع صوتي الحقيقي مرة أخرى... وإلا كان الأمر سيأخذ المزيد من الوقت.

فقدتُ صوتي. وأعطاني عملي أجازة مرضية حتى يرجع إليّ...

 كنتُ في هذه الأيام أكتشف حجم الانطباع المختلف الذي كنتُ أتركه بصوتي على الآخرين...

عدتُ إلى الاسكندرية، قضيتُ هذه الأيام دون أي تحسن ملحوظ، وكنتٌ أقوم بأشياء لا تستلزم مني أي حديث أو شرح كثير، قمت بأعمال الصيانة للسيارة، وذهبتُ إلى السوبر ماركت الكبير لأشتري أعراض البيت والبقالة لجدتي، كنتُ أنام لوقت طويل بتأثير الأدوية.

           كنتُ أشاهد مقاطع تجارب الآداء من برامج اكتشاف المواهب باستفاضة، وكنت أستمع إلى الرسائل الصوتية التي أرسلها للأصدقاء، والتي أصبحتُ الآن أحفظها عن ظهر قلب. في الظلام على سريري أحرك شفتاي مع كلماتي، واستعيد العلاقة بين مخي وبين أحبالي الصوتية، كأنني لازلتُ قادرة على الكلام. وأنام وأحلم أنني أتحدث بصوت شخص آخر، وأقاطع نفسي أثناء الحديث وأقول أن هذا ليس صوتي وأن هذا الصوت لا يعجبني، فأرد على نفسي وأسخر منها "كمان بتتأمري؟"

تعطيني أمي حبة باستيليا، وتخبرتني أنني بدأتُ في الحديث في سن مبكرة، ثم انقطعتُ عن الكلام فجأة من تلقاء نفسي... وعندما عدتُ للكلام في سن الثالثة كنت أعاني من التهتهة. ما كان يثير استغرابها أكثر هو أنني كنت أغني مع الأغنيات بشكل طبيعي. وظللتُ هكذا... أغني بسلاسة، واتلعثم في الكلام ... إلى فترة قريبة في أواخر المراهقة.

Impetuous
هي كلمة تصف الشخص الذي يتحدث بدون تفكير.
...
أنا في تلك المرحلة من العمر التي يأخذ الآخرين انطباع عني أنني شخص عفوي. لكن من يعرفوني جيدًا يعرفون الحقيقة؛ وهي أنني، بدون أي محاولة في الخداع، لا تصدر مني كلمة، أو تصرف، أو يظهر على وجهي أي تعبير بدون أن تمر عليَّ لحظة خاطفة أجري فيها حساباتي، وأتخذ فيها قرار إما بالإظهار، أو الإخفاء...

لكن دائمًا تأتيك هذه التجارب التي تكشف لك عن حقيقة عجزك عن التحكم في أبسط الأفكار التي تدور في ذهنك... أتعرف هذا الإحساس؟ عندما تنظر لنفسك وترى أنك قد خذلت نفسك، وأن ترى أنك مهما كان ما تعتقده عن نفسك، فأنت الآن رأيت بعينك أنك قليلاً عاديًا، توهمتَ في عقلك أنه سيعطيك سلاسة في القيام بالأشياء الصعبة على الآخرين.

وكأن كل تجربة رميت نفسي فيها تجهزني إلى أزمة أصعب ستحدث فيما بعد...

            كانت أول مرة أشعر بهذا الاحساس، عندما قضيتُ شهرًا في معبد بوذي وسط الراهبات والرهبان الصائمون عن الكلام. يقومون بكل شيء بخلاف التأمل والصلاة، حتى الجلوس في مواجهة بعضهم البعض أثناء الانخراط في القراءة، أو الخياطة، أو الطهو في مطبخ المعبد... ثم فجأة يقوم شخصان أن بالنظر إلى بعضهما البعض، في لمحة بسيطة، كأنهما يتأكدان من وجود الطرف الآخر، أو ربما لكي يتأكد أحدهما من وجوده بنظرة الطرف الآخر له.

بفقدان الصوت، يفقد الإنسان جزءً هامًا من وجوده...

عانيت كثيرًا في الشهر الذي قضيته في المعبد، واتخذتُ عهد الصمت عدة مرات وفي كل مرة أفشل فيها اكتشف طريقة جديدة كان يمكنني فيها أن استغنى عن النطق لكي أوصل ما أردتُ أن أوصله. في النهاية نجحتُ في أن أقضي خمسة أيام فقط من أصل شهر من بقائي هناك.
...

اكتشف الانسان صوته بردة فعله تجاه الفزع... والسعادة

في الفترة التي فقدتُ فيها صوتي اكتشفتُ أنني أحب أن أغني كثيرًا...أكثر مما أعيه، كلما وجدتُ الدقائق، وزحف إليَّ شيء من الملل، أبدأ في الدندنة. وكان هذا محزنًا جدًا بالنسبة لي وقتها، كوني لم أعد قادرة على تسلية نفسي... فبدأتُ أدندن فقط نغمات البايز جيتار في أي أغنية، لأن هذه هي الطبقة الوحيدة التي يمكن أن تخرج مني بدون ألم، وبدون دماء. كنت أترك الأغنية وكاتب كلماتها، وكل الفرقة الموسيقية والمؤثرات الصوتية، وأبحث عن البايز جيتار و.... دووم دووم دووم – أدمدم معه.

يخفق قلبي بأقصى سرعة، عندما أتذكر اللحظات التي أبوح فيها للآخرين بما يثقل به صدري، وما أقوله كي أخفف عن الآخرين من همومهم، وعندما كنت أنادي بعلو صوتي على صديقاتي في حوش المدرسة، وعندما كانت أنادي على جيراني من البلكونة لكي أخبرهم أنني سأنزل إلى الشارع لكي نلعب، الغناء في الرحلات، عندما أتذكر كل مرة تغزَّل رجل بصوتي وأنا أحدثه في التليفون، وأنا أبوح لهم بحبي بصوت مسموع، لا بالهمس... ومن أنني ربما لن أعد قادرة على هذا بعد الآن.

اختفى صوتي واكتشفتُ أنني تصدر مني تنهيدات كثيرة مسموعة بدأتُ أعيها فقط بسبب الألم أثناء انبعاث الصوت. وعند اشتداد الزحام أحتاج من وقت لآخر أن أقول "آه ياني يامَّا"... وأشياء من هذا القبيل.

يبدو الأمر مضحكًا. لكن عدم القدرة على القيام بهذه التعليقات الصوتية كان أشبه بأن أجلس مربوطة كالتمثال، وأن يتحدث من حولي في أمر يهمني، ولدي شيء أضيفه، وأحتاج لأن أعلِق... لكنني فقط أريح ظهري وأستسلم للقيود، أبتسم بيأس في وجوه الجميع.

كانت الباستيليا تعطيني هذا الاحساس بسعة المساحة حول أحبالي الصوتية، وكأنني صامتة باختياري. لكنها لم تكن تخرج صوتي على أي حال...فالنتيجة في النهاية واحدة.

ولكن إذا انتهى صوتي وانعدم كل شيء، فلقد تعلمتُ أنني يمكنني استبدال إبداء الموافقة الحرفية، بابتسامة بسيطة، وإغماضة قصيرة للعين، والإيماء بالرأس عدة مرات... تعلمتُ أنني يمكنني استبدال الاعتذار اللفظي على الأشياء البسيطة، كأن أدوس على قدم أحدهم، بفرد راحة يدي في مواجهة الشخص، النظرة المطولة في وجهه بابتسامة قلقة. وتعلمتُ كيفية استبدال الكلامات البسيطة التي تخرج لا إراديًا تعبيرًا عن الدهشة، مثل "الله، يا سلاااام؟" بإظهار الأسنان بابتسامة والتنفس من الفم، وعند الغضب استبدال "أوف" بالعض على الشفاة وهز الرأس بالرفض.

تقول بعض الدراسات أن فعل الكلام يصدر من مكان في المخ مختلف عن المكان الذي يصدر منه فعل الغناء...وهذا لأن الكلام فعل عملي ومنطقي، كالعمليات الحسابية وربط النتائج بالأسباب ... بينما الغناء فعل إبداعي وخيالي، كأحلام اليقظة. ولهذا السبب هنالك بعض حالات إعاقات النطق قادرون على الغناء بدون أي مشكلة.

انتهت الأيام، وذهبتُ لعملي، أخذتُ نفس، تنحنحتُ، وبدأتُ في الحديث:
"معكم مترجمة اللغة العربية. أريد أن أخبركم أن كل ما سيقال في هذه الجلسة سيترجم، وسيظل بسرية تامة. مرحبًا بكم."

إذا انتهى صوتي وانعدم كل شيء سوف أتوجه إلى الموسيقى... وأبحث لنفسي عن صوت آخر يشبه ما أريد أن أقول.

---
*The Bow-Wow Theory
** فوتوغرافيا: كريم البقلي


No comments:

Post a Comment