Sunday, March 19, 2017

باستيليا


أتذكرُ وأنا طفلة أن أمي هي من علمتني كيف يمكنني أن استمع الموسيقى... يمكن لأي منا أن يستمع إلى لموسيقى ويتذوقها، ولكن أمي علمتني كيفية تقسيم أي مقطوعة موسيقية إلى شرائح طولية... هنالك موسيقى في المقدمة ويمكن لأي أذن أن تسمعها تدندن معها، لكن كلما رجعت بأذني خطوة للوراء، وأتيت بالألحان التي تدور في الخلفية، كلما ازادت مهارتي في فهم كيف تم بناء هذه المقطوعة على أساس من إيقاع وبايز جيتار.
... ومنذها وأنا هكذا... أترك الأغنية بأكملها تتصاعد إلى أعاليها وتتغير مقطوعاتها، وأبحث أنا عن البايز جيتار، وأتابع ما يقول.
...
مررتُ بمشكلة تسببت في أن أفقد صوتي لمدة خمسة أيام.

هناك دراسات تقول أن الإنسان الأول اكتشف صوته برَدة فعله اللاإرادية تجاه الفزع... والسعادة. وبدأ البشر في التواصل مع بعضهما البعض عن طريق تقليد أصوات الحيوانات والشلالات وصفير الرياح لتحذير بعضهم البعض... هذا وفق لنظرية تدعى بنظرية الباو-واو*،وهي تصف المرحلة التي مر بها الإنسان الأول في التعبير والتواصل مع باقي فصيلته من البشر قبل الوصول الحضارة لمرحلة تطوير اللغات.

أعمل مترجمة فورية يستعين الناس بي للنقاش مع المحامين بشأن قضايا الطلاق، أوللحديث مع الأطباء النفسيين لشرح أزماتهم مع الآخرين ومع أنفسهم. عليَّ أن أراعي أن يسير إيقاعي بنفس إيقاع الطرفين، وأن يعكس صوتي كل المشاعر التي تصلني من الطرفين، في نفس الوقت عليَّ أن أحافظ على مكاني بين متحدث كل لغة كطرف ثالث.

 وأظل هكذا... أتحدث وأرد على نفسي، أسأل نفسي بتردد، وأرد على نفسي بحسم وصرامة ... أبوح بعدم الفهم، وأعود وأُفَهِّم نفسي بصبر وسِعَة صدر ... أهددني من أن أحرمني من حضانة ابنتي، وأتراجع خائفة من أن أحرمني من حضانة ابنتي. كشبكة ملعب التنس- أمرر كل شيء من فوقي بلا تدخل، وإذا قام أحدهما بتوجيه الحديث لي فإن هذا يؤير سلبًا على سلاسة تواصله مع الطرف الآخر.

عليهم فقط أن يقولوا ما يقصدون، وأنا أتحدث بأصواتهم.

أفتح فمي، آخذ نفس، أبدأ في الحديث. يصدر مني فحيح ... تنحنحتُ وجربتُ مرة أخرى. فحيحًا... حاولت الصراخ خرج فحيحًا مؤلمًا. يتبعه أن أبصق دمًا في منديلي... لم تنفع المشروبات الساخنة، ولا عسل النحل، ولا حبوب الاستحلاب، ولا حبات الباستيليا التي أعطتها لي أمي وضاعت بين حقائبي ثم وجدتها يومها... كان علي أن اصمت لمدة خمسة أيام إذا أردتُ أن أسمع صوتي الحقيقي مرة أخرى... وإلا كان الأمر سيأخذ المزيد من الوقت.

فقدتُ صوتي. وأعطاني عملي أجازة مرضية حتى يرجع إليّ...

 كنتُ في هذه الأيام أكتشف حجم الانطباع المختلف الذي كنتُ أتركه بصوتي على الآخرين...

عدتُ إلى الاسكندرية، قضيتُ هذه الأيام دون أي تحسن ملحوظ، وكنتٌ أقوم بأشياء لا تستلزم مني أي حديث أو شرح كثير، قمت بأعمال الصيانة للسيارة، وذهبتُ إلى السوبر ماركت الكبير لأشتري أعراض البيت والبقالة لجدتي، كنتُ أنام لوقت طويل بتأثير الأدوية.

           كنتُ أشاهد مقاطع تجارب الآداء من برامج اكتشاف المواهب باستفاضة، وكنت أستمع إلى الرسائل الصوتية التي أرسلها للأصدقاء، والتي أصبحتُ الآن أحفظها عن ظهر قلب. في الظلام على سريري أحرك شفتاي مع كلماتي، واستعيد العلاقة بين مخي وبين أحبالي الصوتية، كأنني لازلتُ قادرة على الكلام. وأنام وأحلم أنني أتحدث بصوت شخص آخر، وأقاطع نفسي أثناء الحديث وأقول أن هذا ليس صوتي وأن هذا الصوت لا يعجبني، فأرد على نفسي وأسخر منها "كمان بتتأمري؟"

تعطيني أمي حبة باستيليا، وتخبرتني أنني بدأتُ في الحديث في سن مبكرة، ثم انقطعتُ عن الكلام فجأة من تلقاء نفسي... وعندما عدتُ للكلام في سن الثالثة كنت أعاني من التهتهة. ما كان يثير استغرابها أكثر هو أنني كنت أغني مع الأغنيات بشكل طبيعي. وظللتُ هكذا... أغني بسلاسة، واتلعثم في الكلام ... إلى فترة قريبة في أواخر المراهقة.

Impetuous
هي كلمة تصف الشخص الذي يتحدث بدون تفكير.
...
أنا في تلك المرحلة من العمر التي يأخذ الآخرين انطباع عني أنني شخص عفوي. لكن من يعرفوني جيدًا يعرفون الحقيقة؛ وهي أنني، بدون أي محاولة في الخداع، لا تصدر مني كلمة، أو تصرف، أو يظهر على وجهي أي تعبير بدون أن تمر عليَّ لحظة خاطفة أجري فيها حساباتي، وأتخذ فيها قرار إما بالإظهار، أو الإخفاء...

لكن دائمًا تأتيك هذه التجارب التي تكشف لك عن حقيقة عجزك عن التحكم في أبسط الأفكار التي تدور في ذهنك... أتعرف هذا الإحساس؟ عندما تنظر لنفسك وترى أنك قد خذلت نفسك، وأن ترى أنك مهما كان ما تعتقده عن نفسك، فأنت الآن رأيت بعينك أنك قليلاً عاديًا، توهمتَ في عقلك أنه سيعطيك سلاسة في القيام بالأشياء الصعبة على الآخرين.

وكأن كل تجربة رميت نفسي فيها تجهزني إلى أزمة أصعب ستحدث فيما بعد...

            كانت أول مرة أشعر بهذا الاحساس، عندما قضيتُ شهرًا في معبد بوذي وسط الراهبات والرهبان الصائمون عن الكلام. يقومون بكل شيء بخلاف التأمل والصلاة، حتى الجلوس في مواجهة بعضهم البعض أثناء الانخراط في القراءة، أو الخياطة، أو الطهو في مطبخ المعبد... ثم فجأة يقوم شخصان أن بالنظر إلى بعضهما البعض، في لمحة بسيطة، كأنهما يتأكدان من وجود الطرف الآخر، أو ربما لكي يتأكد أحدهما من وجوده بنظرة الطرف الآخر له.

بفقدان الصوت، يفقد الإنسان جزءً هامًا من وجوده...

عانيت كثيرًا في الشهر الذي قضيته في المعبد، واتخذتُ عهد الصمت عدة مرات وفي كل مرة أفشل فيها اكتشف طريقة جديدة كان يمكنني فيها أن استغنى عن النطق لكي أوصل ما أردتُ أن أوصله. في النهاية نجحتُ في أن أقضي خمسة أيام فقط من أصل شهر من بقائي هناك.
...

اكتشف الانسان صوته بردة فعله تجاه الفزع... والسعادة

في الفترة التي فقدتُ فيها صوتي اكتشفتُ أنني أحب أن أغني كثيرًا...أكثر مما أعيه، كلما وجدتُ الدقائق، وزحف إليَّ شيء من الملل، أبدأ في الدندنة. وكان هذا محزنًا جدًا بالنسبة لي وقتها، كوني لم أعد قادرة على تسلية نفسي... فبدأتُ أدندن فقط نغمات البايز جيتار في أي أغنية، لأن هذه هي الطبقة الوحيدة التي يمكن أن تخرج مني بدون ألم، وبدون دماء. كنت أترك الأغنية وكاتب كلماتها، وكل الفرقة الموسيقية والمؤثرات الصوتية، وأبحث عن البايز جيتار و.... دووم دووم دووم – أدمدم معه.

يخفق قلبي بأقصى سرعة، عندما أتذكر اللحظات التي أبوح فيها للآخرين بما يثقل به صدري، وما أقوله كي أخفف عن الآخرين من همومهم، وعندما كنت أنادي بعلو صوتي على صديقاتي في حوش المدرسة، وعندما كانت أنادي على جيراني من البلكونة لكي أخبرهم أنني سأنزل إلى الشارع لكي نلعب، الغناء في الرحلات، عندما أتذكر كل مرة تغزَّل رجل بصوتي وأنا أحدثه في التليفون، وأنا أبوح لهم بحبي بصوت مسموع، لا بالهمس... ومن أنني ربما لن أعد قادرة على هذا بعد الآن.

اختفى صوتي واكتشفتُ أنني تصدر مني تنهيدات كثيرة مسموعة بدأتُ أعيها فقط بسبب الألم أثناء انبعاث الصوت. وعند اشتداد الزحام أحتاج من وقت لآخر أن أقول "آه ياني يامَّا"... وأشياء من هذا القبيل.

يبدو الأمر مضحكًا. لكن عدم القدرة على القيام بهذه التعليقات الصوتية كان أشبه بأن أجلس مربوطة كالتمثال، وأن يتحدث من حولي في أمر يهمني، ولدي شيء أضيفه، وأحتاج لأن أعلِق... لكنني فقط أريح ظهري وأستسلم للقيود، أبتسم بيأس في وجوه الجميع.

كانت الباستيليا تعطيني هذا الاحساس بسعة المساحة حول أحبالي الصوتية، وكأنني صامتة باختياري. لكنها لم تكن تخرج صوتي على أي حال...فالنتيجة في النهاية واحدة.

ولكن إذا انتهى صوتي وانعدم كل شيء، فلقد تعلمتُ أنني يمكنني استبدال إبداء الموافقة الحرفية، بابتسامة بسيطة، وإغماضة قصيرة للعين، والإيماء بالرأس عدة مرات... تعلمتُ أنني يمكنني استبدال الاعتذار اللفظي على الأشياء البسيطة، كأن أدوس على قدم أحدهم، بفرد راحة يدي في مواجهة الشخص، النظرة المطولة في وجهه بابتسامة قلقة. وتعلمتُ كيفية استبدال الكلامات البسيطة التي تخرج لا إراديًا تعبيرًا عن الدهشة، مثل "الله، يا سلاااام؟" بإظهار الأسنان بابتسامة والتنفس من الفم، وعند الغضب استبدال "أوف" بالعض على الشفاة وهز الرأس بالرفض.

تقول بعض الدراسات أن فعل الكلام يصدر من مكان في المخ مختلف عن المكان الذي يصدر منه فعل الغناء...وهذا لأن الكلام فعل عملي ومنطقي، كالعمليات الحسابية وربط النتائج بالأسباب ... بينما الغناء فعل إبداعي وخيالي، كأحلام اليقظة. ولهذا السبب هنالك بعض حالات إعاقات النطق قادرون على الغناء بدون أي مشكلة.

انتهت الأيام، وذهبتُ لعملي، أخذتُ نفس، تنحنحتُ، وبدأتُ في الحديث:
"معكم مترجمة اللغة العربية. أريد أن أخبركم أن كل ما سيقال في هذه الجلسة سيترجم، وسيظل بسرية تامة. مرحبًا بكم."

إذا انتهى صوتي وانعدم كل شيء سوف أتوجه إلى الموسيقى... وأبحث لنفسي عن صوت آخر يشبه ما أريد أن أقول.

---
*The Bow-Wow Theory
** فوتوغرافيا: كريم البقلي


Sunday, August 7, 2016

الكابينة


الكابينة كما أعرفها الآن ستنتهي. وقد تبدأ في مكان آخر... لكنها كانت وستظل دائمًا الكابينة بعنوان 11 شارع سان سابا... عملتُ بالكابينة من 2010 لـ2013، وكانت فترة فاصلة ورائعة في حياتي.

أتذكر نفسي كما كانت من قَبل .. منذ ست سنوات. كنت في الثالثة والعشرين.

***
كانت أحلام يقظتي كلها واقعية ... لا تحمل أي بطولات أو قدرات خارقة. كانت دائماً أشياءً يمكنني أن أفعلها في الحياة الحقيقية ... إلا إنه دائماً كانت هناك عقبة ما. وكنتُ في بعض أحلام يقظتي الواقعية أراني أذهب في مكان ما. و لكن أنا سعيدة بذهابي سعادة هادئة وثقيلة لا تحمل أي حماسة أو انبهار. بل الكثير من الرضا والسكون... والاعتياد أيضاً ربما. الحلم الحقيقي هو أنني في طريقي لهذا المكان لا أفكر في قلق أمي، ولا في ساعة العودة إلى البيت. ولا أخشى أن تنفذ مني النقود. ولا أتفقد مظهر شعري من حين لآخر. وفي الحلم أستقر هكذا. أقرأ ربما، أو أستمع للموسيقى، أو أحلُّ شعري و أرسله حراً في الهواء القادم من الشباك. أقود سيارة صغيرة وبها أشيائي التي أحبها – الموسيقى التي أحب، معطر برائحة التفاح الأخضر، أُعلَّق على المرآة لعبة لطيفة صغيرة أحبها – وأستقر هكذا في ذهابي لهذا المكان الجميل الذي هو قلب احساسي بهذا الرضا، وهو الفرصة التي مكنتني من أن أكون بكل هذا الهدوء والتماهي كل ما هو حولي، والقدرة على أن أضيف شيئًا مني على كل شيء أمتلكه. كان حلماً ممتعاً، ما أجمل الساعات التي أقضيها في مثل هذا الحلم! وما أجمل ما أفعله في الحياة الحقيقية حين يراودني هذا الحلم.

لكن الحياة الحقيقية أروع وأكثر إدهاشاً من أي حلم يقظة. حين أنتبه فجأة وأجد أن ما كان في أحلام يقظتي منذ أعوام أصبح هو حياتي الحقيقية التي أعيشها بنفس تماهي وانسجام الحلم...وأكثر. تلك هي السعادة، والطعم الحقيقي لكل ما هو لذيذ. هذا هو بريق عيني ... و الأفضل لم يأتِ إليَّ بعد.

أعمل منذ أيام الجامعة ، وامتهنتُ أكثر من نوع من المهنات - بحثاً عن شيئاً ما. وأعملُ الآن في مجال التنسيق الثقافي في الكابينة في أحد تلك المهنات التي يصعب عليَّ أن أختزلها في كلمة واضحة على كارت شخصي. فأبادر جميع من يسألونني عن وظيفتي بابتسامة كسولة؛
-          إنتَ شفت فيلم مايكروفون بتاع خالد أبو النجا ؟
-          لأ ...
-          ابقى شوفه... أنا بقى باشتغل ف المؤسسة اللي الفيلم دة معمول عليها... مؤسسة بتساعد الفنانين المش معروفين و بتوفرلهم مساحة يعرضوا فيها فنهم.
... وقتها يفقد الشخص اهتمامه.

            كل مهناتي السابقة كانت ذات مرتبات جيدة نسبياً، ولكنها لم تكن تستحق الإرهاق الذي قد أصابني حتى ادخرتُ مبلغاً كان يحقق لي الاطمئنان والرضا بالمرتب القليل الذي أتقاضاه من مهنتي الآن كمنسق تنفيذي في الكابينة والتي تجعلني راضية تماماً عن نفسي وسعيدة جداً بما أفعله في حياتي. دون أن أنظر حولي. المقارنة نفسي بالآخرين من هم حولي من أبناء جيلي. وما يفعلونه في حياتهم، وما وصلوا إليه الآن...

أنظر حولي الآن و أرى الكثير من الفتيات اللاتي كنت أتمنى أن أحظى بمثل حريتهن، و أرى أنهم بعد أن تخطوا سناً معينة بدأت عائلاتهن في احكام قبضتهم اكثر مما مضى. خوفاً على مستقبل البنات وسمعتهن ... و احتمالات زواجهن. و جاء يوماً رأيتُ فيه أنني أنا من أُحسَد الآن على أمي وأبي وقبضتهما المعقولة التي أخرجوني منها تدريجياً.
-          الاسكندرية، 2011

هكذا كنتُ أكتب... في بدايات عملي في الكابينة.

***
            قد تجد الأمر مبالغًا فيه... لكن الأمر بالنسبة لي أشبه بأن أمر في وقت من الأوقات من أمام مدرستي القديمة، وأجدها لم تعد موجودة... أو لم تعد مدرستي. واختفت، واختفى معها أثر الفتاة التي كنتها في يوم من الأيام. مهما كنت أرى أنني أمضي في طريقي ويبدو أنني غير متأثرة بالأمر بحكمي بعيدة عنه.

            في فترة عملي في الكابينة كانت أصابعي لا إراديًا تجد مفتاح الكابينة من بين كل المفاتيح بسلسلة مفاتيحي، وأخطئ دائمًا وأستخدم مفتاح الكابينة وأنا أحاول فتح باب بيتي، أو سيارتي أو مدخل العمارة ... كانت الكابينة هي السر الخفي وراء حماسي في حياتي ومصدر جزء كبير من ثقتي بنفسي وقتها. كنتُ قد وجدتُ ضالتي في الحياة... أو هي من وجدتني. كنت أتواجد بها لأكثر من 12 ساعة يوميًا وتعلمت في هذه القترة شريحة سميكة من خبراتي في الحياة عمومًا... وكانت الكابينة شاهدًا على تراكم خبراتي، والتغيرات التي طرأت عليّ تدريجيًا منذها وحتى الآن.

            تعلمتً في فترة عملي بالكابينة كيفية معجنة الحوائط وصنفرتها، و"تستيك" الأرضيات، وكيفية "تدريب" ألوان الدهانات، وعزل الصوت، وكيفية مد أسلاك الكهرباء في الحوائط، وطرق أستبدال الأسلاك التالفة بأخرى جديدة داخل الحوائط. كيفية تقفيل العهدات، وكتابة تقارير الاجتماعات، وتقييم زملائي في العمل، ومصالحة زملائي في العمل بعد حدوث موافق تتوتر فيها الأمور... أطلقت زغرودة من قاع قلبي عندما انتهى العامل من دهان الحوائط والسقف بالللون الأبيض، بعدها بيوم، انتهى المبلط من وضع البلاطات الفخار بأرضية المكتبة... وكان شعورًا رائعًا بالتحقق يوم انتهينا من تركيب قطع البلكسي الملونة في مربعات الشباك.

كنتُ هناك قبل أي شيء... قبل وصول المعدات، قبل دخول الإنترنت، قبل الكهرباء، قبل مواسير المياة، قبل بناء التواليت، قبل السلم الحديدي الأزرق الذي يصل بالسطوح. وقبل تمهيد الأرضية، وحتى قبل المقاعد... كنت هناك أنا وقطعة كليم أحمر في أسود ولمبة سهاري كانت تضيئها سينما ريالتو قبل أن تُهدَم. أدبدب بقدمي مرتين كي أخيف الصراصير كي تعود إلى البلاعة التي كانت مفتوحة في وسط الممر. ثم أجلس بالكليم على الأرض. كبساط سحري أضع عليه حقيبتي وأوراقي. يمنحني الصبر على تأخر العمال على مواعيدهم، وتلكؤهم في التنفيذ، وخيالهم الواسع وقصصهم الكثيرة التي يسردونها الحصول على دفعات مقدمة من تكلفة خدماتهم. وكنت بطريقة أو بأخرى سعيدة بكل ذلك.

تعلمتً في فترة عملي بالكابينة أن أتوقف عن محاولة أن ألوي ذراع العالم كي يسير كما أريد. أن أستسلم. وقد يحدث وأن يفاجئني. ويقدِّم لي ما كنت أرغب فيه... فقط بشكل وتوقيت مختلفين.

تعلمتٌ أنه في حالة عدم اليقين أن أغلق عيني وأقذف بنفسي في قلب الأشياء مستسلمة للجاذبية. وأنه بالرغم من كل التخبُّط، لا توجد إصابات حقيقية. دائمًا هنالك درسًا مستفادًا، والكثير من خطوط الرجعة.

وأن الخوف شيء وارد بالرغم من كل الرعونة والتمرُّد. وأن الشعور الحقيقي بالأمان بالنسبة لي لا ينبع من داخلي، بل أجده دائمًا في الآخرين. وأن التوقيتات الجيدة هي ما تتركني مع الأشخاص المناسبين الذين دون أن يشعروا يقوون قلبي، ويجرئوني على اقتحام الحياة، وأن أبتعد بظهري عن الحوائط التي لا تحقق الحماية.

تعلمتٌ في فترة عملي بالكابينة أنه لا توجد مشكلة من أن أجعل يدي عُرضةً للإتساخ، ومن أن يتصبب جسدي بالعرق من كل ناحية، مادمتُ سأقضي وقتًا أطول في الاستحمام، وما دام كان في كل ذلك متعة ورغبة حقيقية في التحرر من أي هيئة منمقة.

قابلتُ أهم قصة حب في حياتي في الكابينة... وبالرغم من أنه كان يقول لي أن فرصة اللقاء كانت ستظل كبيرة حتى إذا لم أكن أعمل هناك. إلا أنه في عقلي، أجد أن هذه الطريقة كانت الأنسب والأجمل... لأنها كانت القصة الحقيقية التي حدثت بالفعل. وبعد انتهاء قصتنا معًا بعد انتهاء عملي بالكابينة بسنوات... ظللتُ أشعر بطمأنينة ما، لوجود الكابينة كشاهد على كل شيء.

أقلعتُ عن التدخين في الكابينة، وكنت أتجاوز كل لحظات الضعف والتهديد بالانتكاس بالنزول إلى الستوديو، وإغلاق الباب عليّ والاستماع إلى أغنيات
Lady GaGa
بأعلى صوت، بينما العمال يعملون في المكتبة وهم خائفون من أن المجنونة التي تعمل بالمكان تحضر عفاريتها في البدروم.

***
إغلاق الكابينة قد يكون بداية جديدة بالنسبة للبعض، كما قد لا يمثل أي شيء بالنسبة للبعض، لكن بالنسبة لي... إغلاق الكابينة كمكان ملموس، أشبه برمز لاختفاء أثر هذه الفتاة التي كنتها. وتبقَّى منها كل ما تعلمته هي خلال هذه الفترة، كل طاقتها التي بذلتها حتى أصبحَت يومًا بعد يوم أشبه وأقرب للشخص الذي أنا عليه الآن. وبالرغم من أنني كلي امتنان لكل ذلك... إلا أنني بداخلي جزء يحزن على زوال أثري من هذا المكان... وزوال المكان بالكامل.

لي صديق فلسطيني – مصري أخبرتني جدته الفلسطينية أنها تحمل مفتاح بيتها في حيفا حول رقبتها منذ هاجرت إلى مصر في أوائل الأربعينيات. على أمل أن تعود إلى بيتها في يوم من الأيام، ورغم أن بيتها قد هُدِم، إلا إنها لا زالت تحتفظ بالمفتاح حول رقبتها كآخر ما تبقى من بيتها الحقيقي، مهما كانت قد تقدمت في حياتها وسكنت وعمَّرت بيوت أخرى.

لا زال معي أول مفتاح لباب الكابينة. الذي كانت تجده أصابعي كي تفتح به باب بيتي وباب سيارتي ومدخل عمارتي. وسأظل أتذكر الجملة التي قالها لي الكثيرون وقت عملي هناك عن لوحة الفتاة التي تجلس على الوزة السوداء على باب الكابينة... وأنهم رأوا أن هذه الفتاة تشبهني. وأحب أن أصدق ذلك.

كانت وستظل دائمًا الكابينة بعنوان 11 شارع سان سابا. عملت بالكابينة من 2010 لـ 2013، وكانت فترة فاصلة ورائعة من حياتي. كانت الشاهد على تغيراتي وفترة من رحلة نضجي كشخص، والمستودع لدروس لم أكن لأتعلمها في أي مكان آخر. أما الآن، فأظن أنني مستعدة للإبحار على ظهر وزتي السوداء، قدمي في الماء، وأحمل مفتاح الكابينة حول رقبتي، وأحمل في قلبي كل اللحظات التي لمستُ فيها طعم السعادة الحقيقية النابعة من اقتناعي بما أفعله في حياتي، وفيما أستثمر طاقتي.

سان سابا كومبليه... لكن الفتاة ستجد لنفسها بابًا جديدًا ترسى عليه وتجلس وتشهد تغيرات أخرى على حياة آخرين.

***
اللوحة للفنان/ أمير رزق
فوتوغرافيا: محمد النجار

Friday, November 20, 2015

أراك بعد قليل



هذه القصة ليست ككل ما أكتب. لست على طبيعتي اليوم. وما حدث اليوم كانت تعدني له الحياة منذ أكثر من عشرين عام. ولم يكن هنالك وقت أمثل من اليوم.

 ***
معظم من يعرفونني يعرفون أن أبي يعمل في الخارج، كنا أسرة كاملة نسبح معًا في البترول هناك، لكنه الآن يسبح وحيدًا. لكن فقط مَن يعرفونني جيدًا هم من يعرفون أن تأثير كل مرة يسافر فيها عليَّ يزداد قوة كلما مرت علي السنوات.

اليوم فجرًا كنتُ أوصله إلى المطار هو وحقيبته الصغيرة كي يلحقا بطائرتهما. كنتُ هادئة على غير العادة. وكنتُ أتصور أنني فور أن تحين لحظة الفراق، سأنهار ككل مرة. كنتُ أفكر في الوقت الذي كانت أمي توصلني فيه للمطار كي أسافر أنا بدوري إلى بلد لا أعرف فيها أحدًا كي أقضي أكثر من سنة، وتذكرتُ أنني كنتُ أبكي وألوِّح لها بالوداع وهي تكور قبضتيها في الهواء - طالبة مني أن أزداد قوة. تذكرتُ أنني اكتسبتُ من ابتسامتها الكثير من القوة التي استمرت معي حتى عدتُ ورأيتها مرة أخرى... وقتها بكت.

فكرتُ أنني سأمد أبي بنفس القوة، لم أبكِ، ولم أكن أدعي القوة. كنتُ خفيفة، وقلت له "أراك بعد قليل!". وعانقته دون تشبث خائف ودون تأثُر زائد عما أعانقه في الحياة اليومية دون تهديد الرحيل. كان كل شيء في مكانه.

بعد دخوله المطار، تابعته حتي غاب من نظري وسط زحام الطوابير في الداخل. ثم كان من المفترض أن أغادر، لكنني انتظرتُ هناك على باب صالة المغادرين. فقط وقفتُ هكذا. حتى سمعتُ آخر نداء للمسافرين، ورأيت الطائرة وهي تقلع. بعدها تمشيتُ ببطء إلى السيارة في شمس الصباح الجميلة. وفكرتُ في فكرتين؛ فكرتُ في نفسي عندما كنتُ طفلة، وأنني كنتُ كل مرة في نفس الموقف أجلس وراء أمي في السيارة وأدعو الله سرًا من كل قلبي أن تُلغى الرحلة التي سيغادر أبي عليها. أو أن يقرر فجأة أنه لن يسافر ويركض خارجًا من المطار كما يحدث في آخر فيديو كليپ أغنية "أنغام" "شنطة سفر". وتذكرتُ أنني على مر السنوات أصبحتُ أكثر عملية وعلمتُ أنني أتمنى شيئًا خياليًا لن يحدث، وذلك هو ما كان يصعِّب الأمر عليَّ كلما تقدمتُ في العمر. أما اليوم، فرأيتُ أن السفر قد غيرني، تأكدتُ أن هذا الرحيل أصعب عليه مما هو عليَّ في كل الأحوال. لم يكن يومًا غير ذلك.

وفيما أنا أفكر... رقم لا أعرفه اتصل بي في هذا الوقت من الصباح. رددتُ.
- ألو؟ 
قابلني الصمت...

ثم كررتها. وإذا بصوته يرد عليَّ، يسألني عما إذا كنتُ وصلت البيت، لأنه تعطل في الإجراءات وغادرت طائرته بدونه. أخبرته أنني على بوابة المطار، وسأراه بعد قليل. وعدتُ ورأيته. وعدتُ معه إلى البيت.

***
عادةً... في كل قصة أكتبها، يكون هنالك سطر محدد بعينه يتردد داخل عقلي يلح علىَّ أن أقوله واضحًا مجلجلاً، وهو ما أبني كل القصة حوله كي يكون له أقوى تأثير على من يقرأه وفي أفضل توقيت يكون فيه مستعدًا لتلقيه، وعادة ما يكون ذلك السطر هو الدافع وراء كتابتي لتلك القصة من البداية. أما قصتي هذه... لا وجود لأي شيء كل ذلك.

هذه القصة لي ... عليَّ أن أقرأها وأسعد بحدوثها. لذلك كان عليَّ أن أكتبها وأنا دافئة وهادئة هكذا، كي أخبر كل من يعرفونني ومن لا يعرفونني أننا في الأساس مصنوعون من أحلامنا الصغيرة مستحيلة التحقُق، وأننا عندما نتقبَّل عدم حدوثها برحابة صدر وننضج على تشبـُّثنا بالأشياء تشبـُّث الأطفال...يبدأ كل شيء في الحدوث من تلقاء نفسه.

وهذا كل شيء.

Monday, September 14, 2015

السفر أمر مبالغ فيه



عندما يسألني أصدقائي الجدد هنا عما إذا كنت افتقدتُ بلدي، أفكر للحظة قبل الرد ...


هنا... أنا بخير معظم الوقت، أستمع لأغنيات عبد الوهاب ونجاة الصغيرة و أدندنها بانسجام. ومخزون الحلاوة الطحينية معي يتناقص يوميًا، وأضع كريم الوقاية من الشمس بكميات تناسب الشمس الحارقة هنا.

تغير كل شيء حولي- المناظر التي تمر بجواري من شبابيك المواصلات، والأحاديث التي تدور في المطاعم، تحيات الجيران في الصباح والمساء، والملابس التي أراها في فاترينات المحلات، والنظرات في عيون المارة في الشوارع، وشكل النقود في المحفظتي، شكل قوابس الكهرباء في الحوائط، وإعلانات المنتجات في التلفزيون... حتى الطريقة التي أنطق بها اسمي كي يعرفه الآخرون بسهولة...

ووسط كل هذه الغرابة، صرتُ أفكر في أقدم وأغرب المواقف وأكثرها إرباكًا، والتي لم تخطر ببالي منذ سنوات، ووجدتُ في ذلك الكثير من الألفة. يشرد عقلي من تلقاء نفسه وراء ألف فكرة في وقت واحد، وكل الأفكار تشترك معًا في أنها دارت في شارع من شوارع بلدي أو في بيت متواجد هناك، أو مع شخص لم يزل يعيش هناك ... لا أشعر أنني غادرتُ المكان، لأن المكان لم يغادرنِ. ومع مرور الوقت زادت جرأتي وقدرتي على اقتحام الذكريات القديمة ومواجهة نفسي بالحقائق.

قال ديفيد ميتشيل: "عندما تسافر طويلاً، تقابل نفسك في النهاية." ...وعندما يحدث ذلك، ترى حقيقتك بالحجم الطبيعي دون أي إنكار، وبعيدًا عن أي طمأنينة تبعثها فيك كلمات من وجوه مألوفة... لن يمكنك أن تضلل نفسك بعد ذلك.

هنا... أمر باختبار قاسي سيكشف عن معدني الحقيقي، وقد يحدث في النهاية أن أخذل نفسي في كل ما اعتقدتُ أنني أعرفه عنها... لا أشعر بالخفة، ولكنني فوجئتُ بوزني الحقيقي ودرجة مرونتي على تقبـُّل الطباع والظروف الغريبة. يدق العالم على رأسي بكل قوته، يجبرني على تنعيم حوافي المدببة التي تخيف الآخرين مني - هل سأعود إلى بلدي عندما أرى أنني جنيتُ ثمرة الدرس المتخفي وراء وجودي في هذه البلد، وبعد أن أمتص العصارة وأكتفي؟ أم سأعود عندما ترهقني كل هذه الغرابة، هاربة بنفسي إلى دفء كل ما هو مألوف؟

رأيتُ نفسي أنغمس بالكامل... ودون خوض أي حروب لا جدوى لها للحفاظ على هويتي، وجدتني أحييهم بطريقتهم، آكل أكلهم بطريقتهم، وأحدثهم بالقليل الذي أعرفه عن لغتهم، أقرأ صحفهم وأتابع أخبار التوك شو التي تناقش قضاياهم، وألبس ملابسهم القومية في الأفراح والمناسبات، وأفصِّل دائمًا قطًعة زائدة كي تناسب ما لا يمكنني أن أظهره من جسدي... وأعود إلى منزلي لأطبخ الأكلات المصرية في مطبخي الصغير هنا، وأشتاق إلى مطبخي الصغير هناك في الإسكندرية... ولاختلاف المكونات، أبحث دائمًا عن بدائل ... أعدُ الكشري بدون البصل الذي لا أحبه، والمحشي بدون شوربة اللحم أو الدجاج التي لا يأكلوها هنا. ولعدم توفر الملوخية، أعددتُ البامية بنفس طريقة الملوخية، واكتشفتُ فيما بعد أن هذه الأكلة هي أكلة مصرية أصيلة اسمها الويكا ...و قد ظللتُ فترة أظن أنني من اخترعتها.

السفر لفترات طويلة بمفردك يجعلك دائمًا، ورغمًا عنك، في حالة بحث عن بيت جديد ... مهما مرت الشهور، يظل عقلك في معزل عما يدور حولك؛ تتلقى كل ما يحدث حولك وتخزنه للتعامل معه فيما بعد، لأن عقلك معلَّق بمكان آخر عشت فيه مع كل من تعرفهم.

الشيء المحبط في السفر ... هو أن ذلك الشعور بالقفزة إلى بداية جديدة غير حقيقي ولا يحدث. لازلتُ هناك أجوب عالمي بعقلي... وأجري بعض التعديلات ،ومن حين لآخر استخلص بعض الدروس المستفادة، وفي نفس الوقت حاضرة ومتفاعلة تمامًا مع حياتي هنا.

السفر أمر مبالغ فيه... السفر لا يحقق السعادة، ولن يبعدك عن المكان، ولن يعطيك المساحة... سيأتي كل شيء معك في الحقيبة. 

لكنني في النهاية ممتنة ومدينة له بالكثير من الاكتشافات ... أهمها هي أنني تأكد إيماني بأن الشخص لا يتغير تغييرًا سحريًا بتغيير مكانه ولن يصبح شخصًا جديدًا. ورأيتُ أنه وسط شوارع مليئة بمشكلات القمامة والصرف، سيتواجد شخص تعوَّد أن يرمي بقمامته في حقيبته كي يتخلص منها فيما بعد. وأنه وسط طباع شعوب قليلة المعرفة بالذوقيات، سيظل هنالك من يطرق الباب قبل الدخول، وأن يعتذر سريعًا عندما يرتطم بأحدهم أو يدهس قدمه دون قصد. 

والمفاجأة هي أنني اكتشفتُ أن المسافر يقترب، بسفره، ممن يبتعد عنهم مهما بدا لهم عكس ذلك. تعلو أصواتهم في عقله ويحضرون حوله من كل مكان، ويظل هكذا مستريح في قربهم وفي منآي عن مشكلاتهم. وأقول أنني لم أكن أقرب ممن يهمني أمرهم قدر قربي منهم وأنا بعيدة ! ولا أعلم إن كنت سعيدة بهذا الاكتشاف...

---------------------

* فوتوغرافيا: إيفو بيرج
http://www.ivobergphotography.com/